الاستثمار في أسواق كبرى جهوية متخصّصة ودعم شبكات التوزيع
التصنيع التحويلي يقلّل الضغط على السلع الطازجة ويوفّر قيمة مضافة
أكّد الخبير الاقتصادي، عبد القادر مشدال، أهمية منشآت تخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية، في ضمان الوفرة وضبط ارتفاع الأسعار، مشيرا إلى إمكانية توظيفها قاعدة أساسية للتصدير نحو الخارج، واعتبر أنّ هذا القرار الذي توّج اجتماع مجلس الوزراء، إلى جانب قرارات أخرى، يهدف إلى تصحيح مسارات السوق.
يؤكّد مشدال أنّ اعتماد الحكومة، بتوجيهات من مجلس الوزراء، لآليّتين أسندت مهمة تجسيدهما لوزارتي الداخلية والتجارة الداخلية، سيسمح ببروز فضاءات التخزين بما يضمن توفّر المنتوج، وتحديد هوامش الربح وتفادي كثرة الوسطاء والمضاربين.
وأوضح مشدال في تصريح لـ«الشعب” حول مخرجات اجتماع مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أمس الأول، أنه بموجب هذه الإجراءات يقع على عاتق وزارة الداخلية التدخّل “لاستحداث آلية تسمح بشراء فائض المنتجات محليا وتخزينها ثمّ طرحها في السوق فور تسجيل المؤشّرات الأولى لتغيّر الأسعار بهدف المحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين”.
في السياق، تمّ تكليف الولاة بتوفير الفضاءات باعتبار أنّ لديهم كل الصلاحيات لتخزين المواد الأساسية، لتُستخدم كوسيلة تدخّل في السوق من أجل تعديل تطوراتها في حالة ما إذا سجّل نقص في إنتاج المواد الأساسية، وارتفاع في الأسعار، وذلك بطرحها للبيع المباشر، بأسعار تقلّل من التوجّه إلى ارتفاع كبير يمس أسعارها.
وفيما يخص تدخّل وزارة التجارة الداخلية -يضيف المتحدث- فإنه سيخص هوامش الربح للتجارة المتعلقة بالمواد الأساسية، أي أنّ التجار سيكونون من اليوم فصاعدا مضطرّين إلى عدم تجاوز هامش ربح محدّد يحول دون الرفع المبالغ فيه للأسعار من طرف الباعة.
وبرأي محدثنا، فإنّ الملاحظ أنّ أغلب المنتجات المعنية بحركة المضاربة وارتفاع الأسعار، هي المنتجات الطازجة ذات المنشأ الفلاحي التي عادة ما تتعرّض لتقلّبات المناخ، أو الحوادث التي قد تنجم عنها، على غرار حرائق الصائفة التي مسّت مناطق منتجة مهمة في الشمال، ما تسبّب في نقص مستويات الإنتاج في بعض الخضر والفواكه، لتتراجع الكمية المطروحة في الأسواق ويحدث ضغط بسبب نقص الوفرة ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى حركة المضاربة الكبيرة التي يستغلها البعض في هذه المناسبات بحثا عن مستويات أرباح قياسية.
وخلص محدثنا إلى أنّ تدخل الحكومة بشكل مباشر من أجل الحدّ من الآثار السلبية للارتفاع المحسوس المسجّل على مستوى الأسواق، “أولي” باعتباره ردّ فعل على ارتفاع في الأسعار، ما يؤكّد قوة الدولة في “تعديل مسارات السوق خاصة عندما يتعلّق الأمر بالمواد الواسعة الاستهلاك”.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أنّ الجزائر تحقّق مستويات إنتاج عالية في المواد الطازجة، لتسجّل – في بعض الأحيان – فوائض إنتاجية كبيرة، وهي وضعية تجعل من تنظيم عملية الإنتاج والتصرّف في الغلة مهم جدا، ذلك أنّ من حق الفلاح أن ينتج ويبيع ويحصل على عائد يسمح له بالاستثمار والحفاظ على استدامة نشاطه.
من هذا المنطلق -يقول محدثنا- لابد من تشجيع الفلاحين على القيام بالاستثمارات وما يجب من تحديثات في العملية الإنتاجية لرفع مستويات الإنتاج الفلاحي، وهي مسألة مهمة مطروحة بقوة بالنسبة للمنتجات الاستراتيجية.
ومن المهم أن ينتقل الفلاح الجزائري – يواصل المتحدث – إلى التحديثات المتعلقة بالعملية الإنتاجية، لأنها تتضمّن الأساليب المبتكرة في توفير المياه، وفي تحديد الأمراض التي تمسّ بعض المنتجات ومعالجتها في حينها، مذكّرا أنّ رئيس الجمهورية تحدث – في عدة مناسبات – عن التحديثات الكبرى التي تقوم بها الدولة في القطاع.
وخلص محدثنا إلى التأكيد على ضرورة الاستثمار في أسواق كبرى على المستوى الجهوي مع إمكانية الذهاب إلى تخصيص الأسواق حسب منتوج المنطقة، بما يضمن توفيره بشكل قوي ودائم على مستوى الأقطاب الإنتاجية بكل التراب الوطني، بالموازاة مع دعم عملية التوزيع.
في السياق، أكّد مشدال أهمية تشجيع الحكومة القطاع الخاص على الاستثمار في سلاسل التوزيع عبر مختلف مناطق الوطن، وأشار إلى أنّ للسلاسل شقّين، الأول لوجيستي، والثاني يخص توفير وسائل النقل التي تتوافق مع طبيعة المنتوجات في حدّ ذاتها.
ويقترح مشدال تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الصناعة التحويلية للمواد المنتجة محليا، إذ لا يمكن البقاء في نظام استهلاكي يعتمد على المواد الطازجة فقط، بل إنّ تحويل المواد الفلاحية إلى منتجات مصنّعة تكون فترة استهلاكها أطول، يمكن أن تقلّل الضغط على المنتجات الطازجة، كما يمكن أن تشكّل المنتجات المحولة قاعدة أساسية للتصدير، مع العلم أنّ قيمة الإنتاج المصنّع أعلى من قيمة المنتوج الطازج بعدة مرات، وأضاف أنه من شأن خطة متوسطة وطويلة الأجل لتطوير المنتوج الفلاحي، بإدخال الطرق الجديدة المبتكرة في الإنتاج، تشكيل سلاسل التخزين والتوزيع، وستمكّن الجزائر -وفق مشدال- من إنجاز منصّات للتجارة مع الخارج؛ لأنّ الفوائض الإنتاجية تؤدّي إلى إنشاء قاعدة تصدير قوية للمنتجات ليس في شكلها الطازج وإنما في شكلها المحوّل.



