الانتقال من الإلزام القانوني بالتكوين إلى ترسيخه كممارسة مؤسّساتية مستدامة
الذكاء الاصطناعي في الصّحافة.. مساعدة تقنية وليس بديلا عن العنصر البشري
دعا الباحث في علوم الإعلام والميديا الرّقمية، البروفيسور محمد دحماني إلى ترسيخ استراتيجية وطنية تمكّن من تطوير الأداء المهني والرّقمي للصّحفيين في الجزائر، خارج ما تضمنه النصوص القانونية والتنظيمية وأخلاقيات المهنة، وهو يشكّل اليوم أحد أهم التحديات والرهانات التي يجب تجسيدها تماشيا مع طبيعة التحوّلات والتطورات التي يعرفها الإعلام الوطني، وكذا في إطار التكوين المتواصل للصّحفي، ما يضمنه القانون العضوي للإعلام 14-23، حيث تمثل المنظومة التشريعية الرّكيزة الأساسية لتنظيم العمل الصّحفي، وتحديد ضوابط الممارسة المهنية، وضمان الحقوق القانونية للصّحفيّين.
في هذا السياق، شهد عام 2023 حركية تشريعية بارزة تُوّجت بصدور القانون العضوي رقم 23-14 المتعلق بالإعلام، والقانون رقم 23-19 المتعلق بالصّحافة المكتوبة والإلكترونية، والقانون رقم 23-20 المتعلق بالنشاط السمعي البصري، وتندرج هذه الإصلاحات -يقول دحماني- ضمن مساعي تكييف المنظومة القانونية مع التحوّلات الرقمية والرهانات الجديدة التي يفرضها تطور القطاع الإعلامي، ومع تأطير ممارسة حرية التعبير وفقا لأحكام الدستور، ومراعاة المرجعيات الدينية والوطنية والثوابت الثقافية والأخلاقية للأمة الجزائرية، في انتظار إصدار «القانون الأساسي للصّحفي» الذي من شأنه أن يضبط الممارسة المهنية، ويحدّد الحقوق والواجبات، كما يكرّس الضمانات المرتبطة بالاستقرار الوظيفي والاجتماعي للصّحفي، لاسيما ما تعلّق بالأجور والتغطية الاجتماعية والحماية أثناء ممارسة المهنة.
وانطلاقا من واقع الممارسة الصحفية -يقول دحماني- يشكّل التكوين المتواصل ضرورة أساسية لكل صحفي يريد الحفاظ على كفاءته المهنية، ومواكبة مختلف التحوّلات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام بصفة عامة، والإعلام الرقمي على وجه الخصوص؛ فالصحفي اليوم لم يعد مطالبا بإتقان الكتابة والتحرير ونقل الأخبار -يقول المتحدث- لأنه مطالب أيضا بامتلاك مهارات رقمية متجدّدة، والقدرة على التحقّق من المعلومات، وتحليل البيانات، والتعامل مع مختلف المنصّات الإعلامية، وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح عنصرا أساسيا في إعادة تشكيل صناعة الإعلام، وأضاف أنّ ما نشهد من دمج للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل الصحفي، من شأنه أن يعزّز الكفاءة المهنية والرقمية للصّحفي وتجويد المحتوى الإعلامي، وشدّد على أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك التكنولوجيا، إنما في معرفة كيفية توظيفها لخدمة العمل الصّحفي دون المساس بمصداقيّته واستقلاليّته.
كما سجّل المتحدث أنّ أهمية التكوين المتواصل لا تقتصر على مواكبة التطور التكنولوجي، بحكم أنها تستند إلى التزام قانوني واضح يقع على عاتق المؤسّسات الإعلامية؛ فالمادة 31 من القانون العضوي المتعلق بالإعلام 14-23، تجعل التكوين المتواصل وتحسين المستوى وتجديد المعارف مسؤولية مؤسّساتية، وليست مجرّد مبادرة شخصية من الصّحفي.
ويقتضي تفعيل هذا الالتزام -يؤكّد دحماني- وضع برامج تكوين دورية تستجيب للاحتياجات الفعلية للميدان، خصوصا في الصّحافة الرقمية، والتحقّق من الأخبار، وصحافة البيانات، والأمن السيبراني، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، كما ينبغي أن يكون التكوين تطبيقيا وقابلا للتقييم، وأن تنعكس نتائجه على جودة المحتوى ودقة المعلومات وأداء غرف الأخبار، فالرهان اليوم -يضيف دحماني- هو الانتقال من الالتزام القانوني بالتكوين إلى ممارسة مؤسّساتية منتظمة وفعّالة، تجعل من تطوير الكفاءات المهنية والرقمية استثمارا في مصداقية الصّحافة الجزائرية واستقلاليتها، وتعزّز قدرة الصحفي على أداء رسالته بمسؤولية وكفاءة.
وضرب المتحدث مثلا بـ»الذكاء الاصطناعي» ليصفه بأنه يمكن أن يساعد الصّحفي في البحث وتفريغ التسجيلات وتحليل الوثائق وتسريع معالجة المعلومات، لكنه لا يستطيع أن يعفيه من مسؤولية التحقّق من المصادر، وفهم السياقات، ومساءلة المسؤولين، والاستماع إلى انشغالات المواطنين، وقال إنّ هذه هي الجوانب التي تمنح الصحافة قيمتها المهنية والإنسانية.
ومن خلال هذه الرؤية، يذهب دحماني إلى أنّ تطوير الأداء الصّحفي في الجزائر يتطلب الانتقال من التكوين الظرفي إلى التكوين المتواصل والمنظّم، القائم على الاحتياجات الفعلية للميدان، ويشمل ذلك تنظيم دورات تدريبية تطبيقية في الصّحافة الرقمية، والتحقيق الاستقصائي، والتحقّق من الأخبار والصور والفيديوهات، وصحافة البيانات، والأمن الرقمي، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
ومن جهة أخرى، سجّل دحماني ضرورة تعزيز الشراكة بين المؤسّسات الإعلامية والجامعات ومخابر البحث العلمي حتى تكون برامج التكوين مرتبطة بالتحديات الحقيقية التي يواجهها الصحفي داخل غرف الأخبار، وقادرة على مواكبة التطورات المهنية والتكنولوجية، وأكّد على ضرورة تشجيع المؤسّسات الإعلامية على الاستثمار في صحفيّيها، وتوفير الظروف المهنية والاجتماعية التي تسمح لهم بتطوير قدراتهم وتجديد معارفهم باستمرار.
في السياق -يقول المتحدث- لا ينبغي أن ينحصر التكوين في الجانب التقني على حساب القيم المهنية والأخلاقية؛ فالصّحفي يحتاج، بقدر حاجته إلى الأدوات الرقمية، إلى تعزيز مهارات التفكير النقدي والتحليل والتحقّق والالتزام بأخلاقيات المهنة، ففي زمن تتدفّق المعلومات بسرعة كبيرة، وتنتشر الأخبار المضلّلة والمحتويات المصطنعة، تصبح المصداقية أهم ميزة تنافسية للمؤسّسة الإعلامية والصّحفي على حدّ سواء، لهذا -يؤكّد دحماني- فإنّ التكوين المتواصل يمثل استثمارا في مستقبل الصّحافة الجزائرية، ذلك أنّ الصّحفي الناجح هو الذي يجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الرقمية والوعي النقدي، ويستطيع الاستفادة من التكنولوجيا دون أن يصبح تابعا لها؛ لأنّ الأدوات قد تتغيّر، لكن جوهر الصّحافة سيظل قائما على البحث عن الحقيقة، والتحقّق من المعلومات، وخدمة المجتمع، والحفاظ على ثقة المواطن.
وعلى هذا -يختم دحماني- يجب الارتقاء بالأداء المهني والرقمي للصّحفيّين وتجويد المحتوى الإعلامي من خلال صياغة رؤية استراتيجية متكاملة، تتضافر -في إطارها- جهود تحديث التشريعات، وتطوير المناهج البيداغوجية بالجامعات، وتكثيف برامج التدريب المتواصل، وتمكين الصّحفيين من توظيف أدوات صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز قدراتهم في مجال الأمن السيبراني.






