غيـــــلان: المقاولاتيـة..ركيزة أساسيـة لتنويع الاقتصــاد الوطنــي وترقية الصّـادرات
ســـــاري: الجامعــة الجديــدة تصنع القيمة المضافة ولا تكتفــي بمنــح الشّهـادات
تشهد الجزائر توجّها استراتيجيا لربط الجامعات بالمقاولاتية وريادة الأعمال والابتكار، وتحويل البحث العلمي إلى مشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة وناشئة على أرض الواقع، ودمج الطلبة والأساتذة الباحثين مباشرة في عالم الشغل ودورة الاقتصاد الوطني، وكذا تحقيق رؤية الدولة في تنويع مصادر الدخل الوطني خارج المحروقات.
أكّد مختصّون وخبراء أن الجامعة الجزائرية لم تعد تكتفي بتكوين الكفاءات وتزويد سوق العمل بخريجين يحملون شهادات علمية، بل باتت تؤدي دورا اقتصاديا أكثر فاعلية عبر تحويل البحث العلمي والمبادرات الإبتكارية إلى مشاريع تنموية واقتصادية مدرة للثروة ومناصب الشغل.
وفي هذا الشأن، أوضح رئيس المؤسسة الجزائرية لترقية المقاولاتية وتطوير الاقتصاد «AFPEED»، طلحة غيلان، أن الجامعة الجزائرية تتّجه نحو تعزيز دورها في التنمية الاقتصادية من خلال ترقية المقاولاتية وتشجيع الطلبة على الابتكار وإنشاء المؤسسات، في مسعى لربط التكوين الأكاديمي بمتطلبات وحاجيات السوق، وتحويل الكفاءات العلمية إلى مشاريع منتجة تساهم في خلق الثروة واستحداث وظائف كثيرة.
وأبرز طلحة غيلان في تصريح أدلى به «الشعب»، أن المنظومة الجامعية شهدت إطلاق 84 مركزا لتطوير المقاولاتية خلال سنة 2023، بهدف تكوين الطلبة ومرافقتهم في بلورة أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتجسيد، حيث أتاحت هذه المراكز فرصا للتعرف على أسس إنشاء المؤسسات، وإعداد دراسات الجدوى ومخططات الأعمال، إلى جانب اكتساب مهارات التسيير والتسويق، بما يساعد حاملي المشاريع على فهم الجوانب العملية للمبادرة الاقتصادية.
وقد أدّت حاضنات الأعمال الجامعية، بحسب غيلان، دورا في مرافقة أصحاب الأفكار والمبادرات المبتكرة، وتطوير نماذج مشاريعهم، وتوجيههم نحو المسارات المناسبة لتنفيذها. كما تساهم هياكل دعم الابتكار والبحث العلمي في تثمين الإمكانات العلمية والتكنولوجية المتاحة داخل الجامعة، وفتح المجال أمام تحويل نتائج البحث إلى منتجات وخدمات تستجيب لاحتياجات المجتمع والاقتصاد المحلي.
ويعكس تنوّع هذه الآليات توجها رسميا نحو جعل المقاولاتية جزءا من الحياة الجامعية الجزائرية، من أجل تشجيع الطلبة على تطوير مشاريع مرتبطة بتخصصاتهم العلمية، واستثمار معارفهم في ابتكار حلول عملية، إذ يكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تنويع النسيج الاقتصادي الوطني، وتوسيع مساهمة الشباب في النشاط الإنتاجي. وفي خطوة أخرى لتعزيز التواصل بين الطلبة وهياكل المرافقة، أُطلقت الشبكة الجامعية لحاضنات الأعمال ومراكز تطوير المقاولاتية في فيفري 2026، بهدف تسهيل الوصول إلى الخدمات والمعلومات المتعلقة بالمرافقة عبر الوسائط الرقمية، بما يدعم متابعة المشاريع ويعزز الربط بين مختلف هياكل الدعم، وفقا له.
وتتمظهر المقاولاتية الجامعية – مثلما كشف غيلان – باعتبارها مسارا لتثمين المعرفة والابتكار، تتوقف فعاليته على تحويل الإمكانات العلمية إلى نشاط اقتصادي مستدام، وجعل الجامعة الجزائرية شريكا في بناء اقتصاد قائم على المبادرة والإنتاج، وتعزيز مساهمة الكفاءات الشابة في التنمية الوطنية.
من جهته، أفاد الأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية، البروفيسور نصر الدين ساري، أن تطوير المقاولاتية في الجامعة الجزائرية أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية تفرضها التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني، والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وخلق الثروة ومناصب الشغل.
وأكّد ساري، وهو رئيس فريق بحث بمخبر الشراكة والاستثمار بجامعة سطيف 1، أن الجامعة اليوم لم تعد تكتفي بتكوين الكفاءات وتزويد سوق العمل بخريجين يحملون شهادات علمية كلاسيكية، بل باتت تؤدي دورا اقتصاديا أكثر فاعلية من خلال تحويل المعرفة والبحث العلمي والأفكار المبتكرة إلى مشاريع اقتصادية وتنموية قابلة للتجسيد.
وفي تصريحه لـ «الشعب»، أوضح ساري أن ترقية المقاولاتية الجامعية تعني الانتقال من جامعة تركز أساسا على إنتاج المعرفة ونقلها، إلى جامعة تساهم أيضا في إنتاج القيمة الاقتصادية المضافة، وتربط التكوين والبحث العلمي باحتياجات المؤسسات الاقتصادية وأولويات التنمية الوطنية.
وتابع: «في تقديري تمتلك الجزائر مقوّمات مهمة لتطوير هذا التوجه، وقد قطعت أشواطا في ذلك، في ظل الاهتمام الرسمي المتزايد بالمؤسسات الناشئة والصغيرة والابتكار والمقاولاتية، وإنشاء آليات لمرافقة الطلبة وحاملي الأفكار والمشاريع، من خلال حاضنات الأعمال ومراكز تطوير المقاولاتية وهياكل دعم الابتكار، غير أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بمجرد إنشاء هذه الهياكل أو تنظيم دورات تكوينية للطلبة، وإنّما بمدى القدرة على مرافقة الأفكار منذ نشأتها إلى غاية تحويلها إلى مشاريع منتجة تستطيع الاستمرار في السوق، وهذا يتطلب تطوير مضمون التكوين الجامعي ليمنح الطالب إلى جانب المعرفة النظرية مهارات عملية في إعداد دراسات الجدوى، والتسويق، والتسيير المالي، وإدارة المخاطر، وفهم حاجات السوق، وهو ما تعمل عليه الجامعة الجزائرية حاليا».
والمهم أيضا أن تكون مشاريع الطلبة مرتبطة بمشكلات واقعية وباحتياجات الاقتصاد المحلي والوطني؛ لأنّ نجاح المقاولاتية الجامعية يقاس بقدرتها على إنتاج حلول مبتكرة وخلق قيمة مضافة، يذكر البروفيسور نصر الدين ساري.


