مـن التّكوين النّظري إلى ريادة الأعمال.. الجامعة شريك في التنمية الاقتصاديـة
رهـان العلــوم الإنسانية واللّغات.. لتطوير مشاريع المحتوى والتّرجمة والرّقمنة
محمـــــودي: التّوطــين اللّغــــوي والاستشــارات مجــالات لخلــق مؤسّســـات مصغّــــرة
تراهن الجامعة الجزائرية على المقاولاتية لتحويل أفكار الطلبة ومشاريع تخرجهم إلى مؤسسات ناشئة ومصغرة تساهم في خلق الثروة واستحداث مناصب الشغل، من خلال تعزيز الابتكار وتطوير آليات المرافقة، وربط التكوين الجامعي باحتياجات السوق. ويعكس هذا التوجه تحوّلا في دور الجامعة التي لم يعد دورها مقتصرا على إنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات، بل امتد إلى تثمين مخرجات البحث العلمي، وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتطبيق، بما يجعلها شريكا في التنمية الاقتصادية.
كشفت المعطيات المقدمة في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي عن انخراط أكثر من 90 ألف طالب في المنظومة الوطنية للابتكار والمقاولاتية الجامعية، إلى جانب تسجيل أكثر من 1770 مشروع حاصل على وسم «مشروع مبتكر»، وإنشاء نحو 310 مؤسسات ناشئة و2661 مؤسسة مصغرة، فضلا عن إيداع أكثر من 300 براءة اختراع.
وتعكس هذه الأرقام الجهود الرامية إلى ترسيخ ثقافة المقاولاتية داخل الجامعة، وتشجيع الطلبة على الانتقال من مرحلة اقتراح الأفكار، وإنجاز مشاريع التخرج إلى إنشاء مؤسسات وأنشطة اقتصادية قادرة على خلق القيمة المضافة واستحداث مناصب الشغل.
يستند هذا التوجه إلى آليات ترمي إلى تثمين مشاريع التخرج، من خلال تمكين الطلبة من تحويل أعمالهم الأكاديمية إلى مشاريع مؤسسات ناشئة أو براءات اختراع، وفقا للقرار الوزاري رقم 1275 المتعلق بآلية «شهادة جامعية ـ مؤسسة ناشئة أو براءة اختراع».
ويسمح هذا المسار بربط التكوين الجامعي بالمبادرة الاقتصادية، وتشجيع الطلبة على تقديم حلول مبتكرة تستجيب لاحتياجات المجتمع والمؤسسات، بدلا من بقاء مشاريعهم في حدود الأعمال الأكاديمية.
كما يشمل هذا المسار تعزيز حماية الابتكار بالتنسيق مع المعهد الوطني الجزائري للملكية الصناعية، بما يسمح بحماية حقوق أصحاب الأفكار والمشاريع وتثمين براءات الاختراع التي يقدمها الطلبة والباحثون الجامعيون، وتكتسي هذه الخطوة أهمية في تشجيع الابتكار، بالنظر إلى أن حماية الملكية الفكرية تمثل أحد الشروط الأساسية لتطوير المشاريع وتحويل نتائج البحث العلمي إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق والاستثمار.ولتحويل هذه المشاريع من أفكار إلى أنشطة فعلية، تعتمد الجامعة على منظومة من هياكل المرافقة، تشمل حاضنات الأعمال ومراكز تطوير المقاولاتية ومراكز دعم التكنولوجيا والابتكار.
وتتولى هذه الهياكل مساعدة الطلبة على دراسة جدوى مشاريعهم، وإعداد نماذج الأعمال، وتحديد الفئات المستهدفة، إلى جانب توجيههم في مجالات التمويل والتسويق وحماية الملكية الفكرية، بما يعزز فرص انتقال مشاريعهم إلى السوق.
ويتكامل هذا المسار مع تطوير عروض التكوين الجامعي، إذ تم تأهيل أكثر من 510 عروض تكوين جديدة للسنة الجامعية 2026-2027، بنسبة 80 بالمائة للعلوم والتكنولوجيا و20 بالمائة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب التوجه نحو تكوين 30 ألف مهندس في الذكاء الاصطناعي في أفق سنة 2030، وتعكس هذه المؤشرات أهمية تكييف التكوين مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وإعداد كفاءات قادرة على الابتكار والاستجابة لاحتياجات المؤسسات وسوق العمل.
ولا تقتصر فرص المقاولاتية على التخصصات التقنية والتكنولوجية، بل تمتد إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغات، التي تتيح بدورها مجالات لإنشاء مؤسسات تقدم خدمات تستجيب لاحتياجات السوق. وتبرز جامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله، بولاية الجزائر، مثالا على هذه الإمكانات، بالنظر إلى التخصصات التي يمكن أن تنطلق منها مشاريع في الترجمة المتخصصة والتوطين اللغوي، وتعليم اللغات عن بعد، وإنتاج المحتوى متعدد اللغات، والخدمات الثقافية والإعلامية والتكوين والاستشارات.
العلوم الإنسانية واللّغات.. في قلب الابتكار
في حديثها عن أهمية المقاولاتية في الوسط الجامعي، أوضحت مديرة مركز دعم التكنولوجيا والابتكار بجامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله الدكتورة إيمان أمينة محمودي، أن المقاولاتية أصبحت آلية أساسية لتحويل المعارف والكفاءات التي يكتسبها الطالب خلال مساره الجامعي إلى مشاريع اقتصادية منتجة للثروة، وقادرة على الاستجابة لاحتياجات السوق والمساهمة في استحداث مناصب الشغل.
وأبرزت محدثتنا أن أهميتها لا تقتصر على إنشاء المؤسسات فحسب، بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة المبادرة لدى الطلبة، وتنمية قدرتهم على الابتكار واكتشاف الفرص وتحويل الأفكار إلى حلول عملية قابلة للتجسيد، وأضافت أن نجاح هذا المسار يتطلب مرافقة الطلبة منذ المراحل الأولى لتبلور أفكارهم، من خلال تكوينهم في مجال ريادة الأعمال ومساعدتهم على دراسة جدوى مشاريعهم وتحديد احتياجات السوق والفئات المستهدفة، بما يعزز فرص انتقال أفكارهم من الإطار الأكاديمي إلى النشاط الاقتصادي الفعلي.وفي هذا السياق، أشارت محمودي إلى أن العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغات تتيح بدورها فرصا واعدة للمقاولاتية، بالنظر إلى تنوع الخدمات التي يمكن تطويرها انطلاقا من هذه التخصصات، على غرار الترجمة المتخصصة، وتعليم اللغات عن بعد، وإنتاج المحتوى متعدد اللغات، والخدمات الثقافية والإعلامية والتكوينية، وهي مجالات يمكن أن تتحول فيها المعارف الجامعية إلى مشاريع تستجيب لطلب السوق، كما أبرزت أهمية التكامل بين هياكل المرافقة الجامعية، من حاضنات الأعمال إلى مراكز تطوير المقاولاتية ومراكز دعم التكنولوجيا والابتكار، في توفير التكوين والتوجيه ومساعدة الطلبة على تطوير مشاريعهم وحماية ملكيتهم الفكرية، ويسمح هذا التكامل بمرافقة أصحاب الأفكار في مختلف المراحل، بدءا من بلورة المشروع ودراسة جدواه، وصولا إلى البحث عن سبل تجسيده وتطويره.
وفي حديثها عن شروط نجاح المقاولاتية الجامعية، أوضحت محمودي أن الرهان لا يقتصر على مساعدة الطلبة على إنشاء مؤسساتهم، بل يمتد إلى تمكين هذه المؤسسات من دخول السوق ومواصلة النشاط وتطوير خدماتها ومنتجاتها.
ويتطلب تحويل الفكرة المبتكرة إلى مشروع اقتصادي ناجح دراسة دقيقة لاحتياجات السوق، وتوفير التمويل، وبناء علاقات مع الشركاء الاقتصاديين، بما يسمح للمؤسسات الناشئة بتحقيق أهدافها والمساهمة في خلق الثروة، وأضافت أن مرافقة أصحاب المشاريع ينبغي ألا تتوقف عند مرحلة التكوين واحتضان الأفكار، بل يتعين أن تمتد إلى مساعدتهم على مواجهة الصعوبات المرتبطة بالتسويق والتسيير والتمويل، بما يعزز فرص استمرارية مؤسساتهم وقدرتها على استحداث مناصب الشغل، ويبرز ذلك أهمية المرافقة المستمرة في تحويل المعارف والكفاءات الجامعية إلى مشاريع اقتصادية فعلية تسهم في تنويع النشاط الاقتصادي الوطني.


