استقـرار الإمــدادات يبــدأ بضمان الاستثمار وحق الـــدول في التنميــة
رفض تحميل الشعوب النامية أعباء انتقال طاقوي لا يراعي مسؤولياتها وقدراتها
دعا رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في كلمته أمام القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة للغاز بموسكو، إلى ضمان استقرار الاستثمارات الغازية واعتماد انتقال طاقوي عادل يراعي احتياجات الدول النامية، مؤكدا أن الجزائر ستبقى موردا آمنا وموثوقا، ومجددا التزامها بإنجاز مشاريع تدعم التكامل الإفريقي، في مقدمتها أنبوب الغاز العابر للصحراء، إلى جانب تطوير الطاقات المتجددة وخفض انبعاثات الصناعة.
وجاءت الكلمة التي قرأها الوزير الأول سيفي غريب، بمناسبة تسليم الجزائر رئاسة القمة إلى روسيا، بعد عامين من احتضانها القمة السابعة، واستحضر الرئيس «إعلان الجزائر» الذي أكد المكانة الاستراتيجية للغاز في أمن الطاقة العالمي، فيما دعا المنتدى، الذي يحتفي بمرور خمسة وعشرين عاما على تأسيسه، إلى توحيد مواقف أعضائه دفاعا عن مصالحهم وتعزيز التعاون لضمان استقرار الأسواق.
وركز رئيس الجمهورية على أثر التشريعات المتقلبة في تعطيل الاستثمار وتهديد الإمدادات، موضحا أن ضخ مليارات الدولارات في المنشآت الغازية يحتاج إلى قواعد مستقرة وتثمين عادل للغاز، خصوصا ضمن العقود طويلة الأجل، ودعا إلى حوار يفضي إلى إطار تنظيمي توافقي يحمي الاستثمارات ويوجهها نحو المناطق الأكثر حاجة، مع التأكيد على حق كل دولة في رسم سياستها الطاقوية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنسبة للمشاريع التي تحتاج سنوات من الإنجاز قبل دخول الإنتاج، إذ يرتبط تمويلها بوضوح شروط التسويق والطلب المتوقع، وقد حدد الرئيس عناصر أمن الطاقة في طلب يمكن التنبؤ به، وإمدادات مضمونة، ومقابل عادل يغطي قيمة المورد وحجم الاستثمارات، بما يسمح باستمرار التموين ويراعي الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والأهداف المناخية للدول.
وعلى الصعيد الإفريقي، خصص جانبا من كلمته لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، بقدرة تصديرية مستهدفة تبلغ ثلاثين مليار متر مكعب سنويا، مؤكدا استعداد الجزائر لتسخير خبرتها لإنجاحه، وربط المشروع بمواجهة الفقر الطاقوي وتحقيق التنمية المستدامة، ضمن تعاون جنوب – جنوب يتيح للدول الإفريقية الاستفادة من مواردها ويعزز قدرتها على اتخاذ قراراتها الاقتصادية.ويعد الأنبوب من المشاريع الكبرى لنقل الغاز في القارة، ويربط غرب إفريقيا بشمالها وصولا إلى الأسواق الأوروبية، وتتمثل أهميته في تطوير شبكة تسمح بنقل الموارد وتسويقها، مع ما يمكن أن يصاحبها من إمدادات لتوليد الكهرباء وتشغيل الصناعة، وهي احتياجات تتصل مباشرة بما شدد عليه الرئيس بشأن توجيه الاستثمارات إلى المناطق المحرومة من الطاقة، وتوسيع حضور الغاز في أسواق جديدة.
وفي سياق متصل، أكد الرئيس تبون وفاء الجزائر بالتزاماتها تجاه شركائها حتى في أصعب الظروف، مشيرا إلى وجودها ضمن أكبر عشرة منتجين للغاز عالميا واحتلالها موقع ثاني مورد للاتحاد الأوروبي عبر الأنابيب، واستعادة انطلاق صناعة التمييع بأرزيو سنة 1964، وتستند موثوقية الجزائر، في إفريقيا وحوض المتوسط، إلى استمرار الإمدادات وخبرتها في الإنتاج والتصدير عبر الأنابيب والغاز المميع.
كذلك، رفض رئيس الجمهورية تحميل الشعوب النامية أعباء انتقال طاقوي لا يراعي مسؤولياتها وقدراتها، مؤكدا ضرورة الحفاظ على حقها في التنمية والبيئة السليمة، وقدم الغاز شريكا للطاقات المتجددة يساعد على استقرار شبكات الكهرباء وتقليص الاعتماد على مصادر أشد تلويثا، مع الدعوة إلى مراعاة اختلاف الإمكانات الوطنية عند تحديد الالتزامات المناخية ومسارات تنفيذها.
وتستهدف الجزائر إنتاج خمسة عشر ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة، بغلاف يقارب اثنين وعشرين مليار يورو في أفق 2035، بالتوازي مع خفض انبعاثات الميثان والحرق واحتجاز الكربون، كما أشار إلى الممر الجنوبي للهيدروجين مع تونس والشركاء الأوروبيين، ضمن التوجه نحو تصدير الكهرباء والأمونيا والهيدروجين إلى جانب الغاز.
وربطت الكلمة تثمين الغاز بالمشاريع الصناعية، خصوصا غارا جبيلات والفوسفات المدمج، لزيادة القدرات التصديرية والمساهمة في الأمن الغذائي العالمي، كما دعا رئيس الجمهورية معهد البحث في الغاز، الذي تحتضنه الجزائر، إلى توسيع نشر تقنيات خفض الانبعاثات وتحسين النجاعة الطاقوية واستخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي، مطالبا الدول الأعضاء بتعزيز تعاونها في مواجهة التوترات الجيوسياسية، والعمل على تأمين إمدادات مستقرة وطاقة متاحة، مع الحفاظ على مصالح المنتجين واحتياجات الأجيال المقبلة، وفق مسار يجمع متطلبات التنمية والالتزامات البيئية.



