صالون الجزائر.. مرآة الحركية الفكرية ورهان الأثر المستمر على مدار العام
تطوير الذائقة يقتضي التوجيه والقراءة المنتظمة.. توسيع الامتداد الاجتماعي للكتاب
لا تتوقف رهانات صالون الجزائر الدولي للكتاب عند استقطاب الجمهور وعرض آلاف العناوين، بل تمتد إلى قدرته على إحداث أثر مستدام في الحياة الثقافية، من خلال توسيع قاعدة القراء وربط التظاهرة بصناعة النشر وشبكة المؤسسات المعنية بالكتاب، وهي الرؤية التي يطرحها مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الجزائر، عبد القادر جمعة، مؤكدا أن المكتبات العمومية مدعوة إلى أداء دور محوري في استثمار الزخم الذي يصنعه الصالون وتحويله إلى ممارسة قرائية متواصلة.
ويرى عبد القادر جمعة، في تصريح لـ»الشعب»، أن معرض الجزائر الدولي للكتاب تجاوز منذ سنوات وظيفته التجارية ليصبح فضاء تتقاطع فيه المعرفة والذاكرة والثقافة والاقتصاد، ويلتقي داخله الكاتب بالقارئ، بما يجعله مرآة تعكس جانبا من الحركية الفكرية والثقافية للمجتمع الجزائري، كما يعكس الإقبال الجماهيري الذي يشهده تمسّك شرائح واسعة بالكتاب، رغم التحولات التي أحدثتها الوسائط الرقمية في عادات القراءة وتلقي المعرفة.
غير أن أهمية هذه التظاهرة ـ وفق محدثنا ـ لا ينبغي أن تُختزل في عدد الزوار أو حجم المبيعات، بل يتعين قياسها أيضا بما تتركه من أثر بعد اختتام فعالياتها. ومن هنا يبرز التحدي المتمثل في الانتقال من الإقبال الموسمي إلى علاقة يومية ومستدامة بالكتاب، عبر مشروع ثقافي تتكامل في تجسيده المكتبات العمومية والمدارس والجامعات ودور الثقافة والجمعيات والناشرون.
وفي تقييمه لإسهام «سيلا» في الارتقاء بذائقة القارئ الجزائري، أشار جمعة إلى أن تنوّع العناوين واللغات والتخصّصات، ومشاركة دور النشر الجزائرية والعربية والأجنبية، إلى جانب اللقاءات الفكرية والأدبية، كلها عوامل وسّعت فرص اكتشاف الكتب والمؤلفين والتجارب الثقافية الجديدة. كما أتاح الصالون للكتاب الجزائريين مساحة أوسع للتواصل مع جمهورهم، وأسهم في تعزيز حضور الكتاب ضمن النقاش الثقافي والاجتماعي.
وسجّل محدثنا أ توسيع فرص الوصول إلى الكتاب لا يعني بالضرورة ترسيخ عادة قرائية أو الارتقاء التلقائي بالذائقة، «فاقتناء الكتاب لا يضمن قراءته، وتنوّع العناوين المعروضة لا يكفي وحده لبناء علاقة عميقة بالمعرفة، ويتطلب ذلك قراءة منتظمة وتوجيها ثقافيا يساعد القارئ على تنويع اهتماماته وتطوير حسه النقدي، والانتقال من القراءة العابرة إلى القراءة التي توسع المعرفة وتغذي التفكير».
وفي هذا السياق، يولي مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية أهمية خاصة لدور المكتبات في مرافقة القراء طوال العام، من خلال نوادي القراءة ولقاءات المؤلفين وعروض الكتب الجديدة والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، إلى جانب تشجيع القراءة العائلية وتطوير أساليب التعريف بالإصدارات، والاستفادة من الوسائط الرقمية دون أن تكون بديلا عن القراءة المتعمقة.
أما على مستوى صناعة الكتاب، فيؤكد محدثنا أن ترسيخ الصالون تقليدا ثقافيا وطنيا يقتضي رؤية تتجاوز أيام انعقاده لتشمل مختلف مراحل صناعة النشر، من التأليف والطباعة إلى التوزيع والتسويق. ويشمل ذلك دعم الناشرين الجزائريين، وتوسيع منافذ توزيع الكتب، وتشجيع الترجمة، وتعزيز حضور الكتاب الجزائري في الأسواق العربية والدولية، مع إيلاء عناية خاصة بإصدارات الأطفال والشباب والكتب العلمية والفكرية والأدبية.
كما يدعو إلى تعزيز التنسيق بين وزارة الثقافة والفنون والناشرين والمكتبات العمومية والمؤسسات التربوية والجامعية، من خلال برامج سنوية واضحة يمكن تقييم نتائجها بمؤشرات عملية، من بينها تطوّر أعداد القراء المسجلين ومعدلات إعارة الكتب والمشاركة في نوادي القراءة ومدى استفادة مختلف الفئات من الأنشطة الثقافية.
وخلص جمعة إلى أن نجاح صالون الجزائر الدولي للكتاب لا يُقاس بما يحققه خلال أيام انعقاده فحسب، بل بما يتركه من أثر في السنة الثقافية كلها؛ فالمعرض يمنح الكتاب واجهته، وصناعة النشر توفر شروط استمراره، والمكتبات العمومية توسع امتداده الاجتماعي، فيما يظل القارئ الغاية الأساسية من هذه الجهود.






