جولة في ربـوع التيطـري ..

مكاسب تحققـت وأخرى في الأفق

سعيد بن عياد

الطــــــرق، البنـــــاء، الميــــــــاه ، المدرســـــة والصحة..

خماسيـــــــة التنميـــــة المستدامــــــة

  اندفعت السيارة بسرعة معتدلة على امتداد الطريق الوطني رقم واحد باتجاه منطقة التيطري وبالتحديد نحو دائرة عين بوسيف جنوبي شرق ولاية المدية حيث تدب الحياة رغم قساوة الطبيعة المترامية الأطراف على امتداد جغرافيا متنوعة التضاريس المنفتحة على أكثر من جهة تقود إلى مختلف أنحاء البلاد.ما أن يتم اجتياز نفق الشفة ومرتفعات بن شكاو الشاهقة ذات المناخ البارد شتاء والحار صيفا بهوائه النقي الغني بالأوكسجين، حيث يجد المصابون بضيق التنفس خاصة راحتهم، تطل فضاءات ممتدة إلى حد البصر وغير منتهية تعكس مشهدا لوجود تغيرات حصلت على الأرض من إنجازات تحققت وأخرى يجري العمل فيها على قدم وساق في سباق مع الزمن.

لا تزال الذاكرة تحتفظ بسنوات تلك العشرية الدموية وما خلفته الفتنة من خراب وتهجير وإذلال للإنسان، لولا أن أوقفت المقاومة (كما هو الحال في كافة ربوع البلاد) ذلكم الإخطبوط الغريب عن الديار بفضل إلتحام المخلصين مع القوات المسلحة لبواسل الجيش الوطني الشعبي وقوى الأمن. وشتان بين الأمس واليوم، بعد أن نهضت المنطقة وتلاشى كابوس الإرهاب الذي جثم على صدر المجتمع قبل أن ينكسر تحت وقع إرادة البقاء.
مكاسب تحققت وأخرى في الأفق، من شبكات الطرق الحديثة التي أنهت العزلة إلى البناء الريفي الذي أعاد الاعتبار للحياة في الأرياف مرورا بخدمة الأرض التي توفر القوت وتحتضن من عليها في أوقات الأزمات. هذه الأخيرة، أي الأرض، استرجعت مكانتها في سلم اهتمامات السكان الذين أصبحوا يدركون قيمتها ومدى تأثيرها على النمو الاقتصادي والاجتماعي خاصة بفضل توصيل المياه المحولة من البويرة وإنجاز سدود ومجمعات مائية تلتقط كل قطرة غيث تنزل كم السماء، حيث يدرك الناس أهمية هذا المورد الثمين خاصة في فصل الحر.
طيلة ثلاث ساعات سير على طريق معبدة وسط تلوح في الأفق لوحات ترسم حركة التنمية التي تنتشل المداشر والقرى والمشاتي في أعماق التيطري من التخلف والفقر بعد أن انتشلتها المصالحة والوئام من مخالب الإرهاب.
عين بوسيف في الواجهة
لقد نالت منطقة عين بوسيف ذات الطابع الرعوي حظها من برامج التنمية القاعدية التي سطرتها الدولة من خلال برامج الاستثمار العمومي لفائدة الهضاب العليا في مجالات السكن والتعليم والصحة إلى جانب توصيل غاز المدينة ومياه الشرب، وتطمح للمزيد حيث لا يزال الكثير في قائمة التطلعات المشروعة للسكان خاصة الشباب التواق للعمل تحقيقا للاستقرار الاجتماعي.
حقيقة لا توجد مصانع ولا معامل، لكن يوجد نبض الحياة على مصاعبها وتحدياتها اليومية، وبالإمكان تأسيس اقتصاد محلي صديق للبيئة ينسجم مع الخصوصيات المحلية، وهو من مسؤولية المنتخبين والسلطات المحلية التي تقف اليوم على عتبة امتحان النمو الجواري الذي يتطلب مراجعة الأداء وترقية السلوكات نحو مبادرة أكثر لجلب المستثمرين في مجالات السياحة والخدمات والصناعة التقليدية والبيئة.
ويجري الحديث في أكثر من مكان عن قدوم مسؤول الدائرة الجديد ليعيد بعث الحركية بمعايير ناجعة من شأنها أن تسمح بتدارك التأخر بالانفتاح أكثر على المجتمع من أجل إشراك السكان في المدينة والأرياف وإعادة ضبط عقارب الساعة على نبض الاستثمار المحلي.
السوق الأسبوعية تضرب موعدا كل يوم جمعة لتتقاطع فيها أمواج بشرية لا تتوقف بين باعة ومشترين ومتطفلين يأتون من كل حدب وصوب حيث تعرض كل المواد والسلع. وبالطبع، المناسبة أكثر من مواتية للعامة لتداول الأخبار وتتبع ما يجري محليا ووطنيا، ومخطئ من يعتقد أن الناس على بساطتهم يعيشون على هامش الأحداث، بل العكس، يوجد اطلاع على كل صغيرة وكبيرة في ظل قناعة راسخة بأن لا مجال للتفريط في مكسب السلم والاستقرار وأن العجلة لا تعود إلى الوراء. وإلى جانب الحديث عن حصاد السنة بين مبتهج ومستاء تكثر التعاليق المرافقة بالنكت حول مسائل هي موضوع جدل مثل التقشف والبيروقراطية والإصلاحات التي يقودها رئيس الدولة الذي يحظى باحترام كبير لدى المواطنين من كافة الأعمار.
ويؤدي المسجد رسالته في هذا الصدد بحيث لا تفوت مناسبة إلا ويذكر فيها أمام مسجد المدينة بما حصل ويشير إلى ما كسبه المجتمع في ظل الوئام والمصالحة داعيا إلى الشد على الاستقرار بالنواجد وتنمية ثقافة التسامح والتضامن في التفاف قوي حول الدفاع عن الجزائر وابعاد شبح الاحباط بالرغم من بقايا البيروقراطية التي يغذيها خفافيش الظلام من اصحاب النفوذ السلبي الذين تعودوا على الاشاعة ويخشون الشفافية، وبالنظر لما تم قطعه من اشواط  لا يمكن التوقف في منتصف الطريق مهما كانت بعض الظواهر السلبية التي تنتهي لا محالة يوما.
جبل الكاف الأخضر ..ذكريات تاريخية
في هذه المنطقة التي يحرسها جبل الكاف الأخضر الثابت في وجه تعاقب فصول السنة وتكتنز ذكريات تاريخية فريدة يمكن تحقيق الكثير على طريق التنمية المستدامة خاصة في مجال السياحة بكل أنواعها الموجهة للنزهة والصحة والتاريخ.
وبقليل من العزيمة يمكن إنجاز الكثير بأقل الوسائل وأبسط الإمكانيات، مثل إقامة مسالك للسياحة الجوارية دون الاعتداء على البيئة وبعث الصناعة التقليدية والتحويلية بإدماج الآسر الريفية خاصة المرأة، الحصن المنيع، التي تحمل قيم المجتمع فتورثها للأجيال حتى تتسلح بالمناعة في مواجهة العولمة ومختلف التيارات التي تتسرب إلى المجتمع في لحظة غفلة أو تقليد أعمى.
بجنب الجبل الذي يلقي بهيبته وله وجهان واحد صخري يطل جنوبا وآخر غابي شمالا، لا تقل المعالم الجديرة بالقراءة في ذاكرتها العميقة، على غرار موقع مدينة أشير الأثرية الذي عانى من الإهمال لسنوات وهو ينتظر من ينفض عنه غبار النسيان وإدراجه في سياق الأبحاث الأثرية مع استثماره في السياحة التاريخية التي تتوفر على مادة تحكي بطولات أكثر من حقبة إبرزها ثورة التحرير لأول نوفمبر 1954 الخالد والتي فجرت بركانا ملتهبا تحت أقدام الوجود الاستعماري الفرنسي الغاشم ووقعت شهادة نهاية حقبة مظلمة انهكت البشر والحجر لتسطر صفحات مضيئة لا نهاية لها تحت الراية الوطنية عنونها العريض كرامة الإنسان الجزائري.
في هذه الربوع المضيافة تحتل الثقافة موقعا متقدما تعززه المدرسة التي حققت مؤشرات مقبولة من حيث المنشآت والتمدرس الذي يوفر المقاعد البيداغوجية لكافة الأطفال فيما تسعى الرياضة إلى استرجاع أمجادها واستقطاب اهتمام الشباب لدرء الأخطار المحدقة به جراء التحولات الاجتماعية وإفرازات الفراغ، وهو ما تتصدى له المصالح الأمنية المكافحة للجريمة بكل أشكالها من خلال آلية الوقاية والمعالجة المبكرة لكل الظواهر حفاظا على ثروة الشباب التي يراهن عليها للدفع بالحياة الاقتصادية المحلية عن طريق التكوين والابتكار.
الصورة المكبرة للمشهد المحلي تبين بوضوح أن ثمارا قد وفرتها سلة التنمية التي تنتقل في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة إلى مسؤولية الشان المحلي ليكون المنتخب والمكلف الإداري على حد السواء في مقدمة الجبهة المفتوحة على الاستثمار المحلي سعيا لاستقدام كل من يحمل موارد مالية تنجز مشاريع خلاقة للثروة في منطقة يمكن أن تصبح قطبا استثماريا يجر وراءه ناحية بكاملها.
بلا شك أن مشاكل مختلفة تعترض السبيل لكن يتطلب الأمر العزيمة والاصرار لقهر الصعاب وتذليلها تماما كما تقهر المشاريع الكبرى وعورة الأرض على غرار الورشات التي تنجز الطريق السيار شمال جنوب بالشراكة مع الاصدقاء الصينيين الذين يمكن تقليدهم في المثابرة وروح التحدي والاتقان. وبلغ المشروع حاليا مدى متقدما في انتظار أن يتم الشروع في تركيب قطع الجسور العملاقة والانفاق الطويلة التي تخترق جبال الأطلس البليدي لتأخد مستقبلا المسافرين إلى الجزائر العميقة عبر جبال الشفة لتعبر به تضاريس خلابة تحتضن السياحة الداخلية التي يعول عليها لتعويض جانب مما ينجر عن تقلبات سوق المال والأعمال.
وبينما تغادر تلك الربوع الهادئة تترسخ قناعة بأن السياحة كما الفلاحة جديرة بأن تكون قاطرة النمو، فالورشات لا تزال تشتغل فيما شرع الفلاحون مبكرا في ترتيب أمور الموسم القادم وكلهم تفاؤل بأن العام عام خير في ظل الأمن والاستقرار.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18077

العدد18077

السبت 19 أكتوير 2019
العدد18076

العدد18076

الجمعة 18 أكتوير 2019
العدد18075

العدد18075

الأربعاء 16 أكتوير 2019
العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019