التوّجهات الإبداعية في الحرف القديمة

التوثيق لنظام مجتمعي في أرقى حالة حضارية

جمال اوكيلي

 التأسيس لمدرسة الحرف الفخارية حتمية لا مفر منها


يكون المهتمون بشأن التراث التاريخي على موعد علمي دولي، يومي 11 و12 جوان القادمين بالجزائر، في نقاش مفتوح وحوار ثري حول مسارات الحرف القديمة، ومنظومة صناعتها عبر الحقب الحضارية، ومدى تداعياتها في التوثيق لمراحل إبداعات الإنسان في التكيف مع واقعه.

لأول وهلة يبدو إثارة مثل هذا الموضوع ممّل ومنفّر في آن واحد لكن منهجية السيدة نشار خديجة بواشي مديرة معهد الآثار بجامعة الجزائر 2 وبيداغوجية السيد كمال مدّاد، مساعد مدير المركز الوطني للبحث في علم الآثار القديمة أزال كل ما كان يلف من اعتقاد خاطئ تجاه ما يتبادر إلى أذهان البعض.
هذا بإعادة رواية الوقائع «الغابرة» بأسلوب جذاب ومغر في آن واحد لا يحدث أي قطيعة ما بين حلقات الأحداث في إبراز تلك العلاقة الجدلية بين الحرف والصناعة في الأزمة العتيقة وترجمتها لبناء تلك الصورة المكبرة المسماة بالحالة الحضارية آنذاك.
من خلال هذه الدردشة ارتأينا أن نتناول التوجه الإبداعي في الحرف التراثية ومساهمته المباشرة في ترقية النظام المجتمعي، في هذه النقطة ترى الأستاذة نشار بأن المعالم المادية فخارية أو غيرها تخضع دائما إلى تساؤلات الباحث خاصة من باب المقارنة، لمعرفة حقا مستويات الإبداع في هذا الشأن، ومؤشرات ذلك تكمن في فارق اللون والشكل، مما يطرح مسألة القيمة الاستعمالية لتلك القطعة من قبل الإنسان آنذاك، ويزداد هذا المسعى تعمقا في الانفتاح على طبيعة المادة، وما يتبعها من وعاء النمط، لنصل إلى التفاصيل المتعلقة بالختم كل صانع يضع طابعه الخاص على منتوجه، يعبر على أكثر من معنى في الانتماء المكاني والتواصل الزماني.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بأن قمة هذا الإبداع في الحرف هو ايجاد البديل الفوري للذهب جراء كونه غير مستحب في استعمالات معينة بسبب مقتضيات دينية شرع العمل ما يسمى بـ «البريق المعدين» وهو عبارة عن مستحضر كيميائي أدخل على الصناعة الفخارية.
إذ شهد تطور ملحوظا بدءا من القرن  8 إلى غاية القرنين 11 و12 في المنارات الحضارية المعروفة آنذاك المتتالية في انتشارها عبر المد الاسلامي.
أما السيد كمال مدّاد، فاعتبر أن الجانب الإبداعي في الحرف هو الحرص الشديد الذي يبديه أصحابها في التمسك بترقيتها وتوسيع فضاء إنجازها وقد يخطئ من يعتقد بأنها محصورة في زاوية دكان أو محل، بل أن مفهومها أخذ منحنيات حاسمة، لتنتقل من دائرة الحرفة إلى آفاق رحبة عبارة عن صناعات متفرعة إلى ورشات بعلامة مسجلة ومميزة أي «الختم» وبقراءة متأنية ومعمقة للحرف، يلاحظ مسار تطورها إلى الأعلى ويتجلى ذلك في النوعية الراقية.
لا يتعلق الأمر أبدا بمادة تراثية مستخرجة من مكان ما ثم يعاد بلورتها وإنما تبين بناءً على تحاليل مخبرية أن هناك نوعية رفيعة صافية ونقية تحمل رموزا ذات الدلالة بالإضافة إلى الأشكال الفريدة والنادرة وهذا ما تم اكتشافه لدى الأفارقة.
مما يضفي عليها طابع الاستثناء والخصوصية عن اكتشاف أصلها هناك ما تعود إلى موريتانيا، نوميديا، وقرطاجة، والتحفة هنا لا تنحصر على الفخار فقط وإنما هناك الزجاجة المعدنية وغيرها.
في خضم هذا الحديث المتشعب، يدعو السيد كمال مدّاد إلى إنشاء مدرسة للحرف الفخارية تكون بمثابة الإطار الذي ينضوي تحته كل من يدرك حقا قيمة الحرف بأبعادها الحضارية والثقافية هذا من جهة ومن جهة ثانية الإبقاء على ذلك التواصل في المخيال التراثي البعيد.
عليه، فإن أولى بوادر هذا التوجه هو توفر الإرادة السياسية لدى الجهات المشرفة على هذا القطاع، لتجسيد هذا المشروع الحيوي والضروري في نفس الوقت حتى تحتفظ بهذا التراث المادي.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019