الكاتبة «إلهام بورابة» في حوار لـ«الشعب»:

في حوزتــــي مجموعـــة مـن الأعمـال..

قسنطينة: حوار / أحمد دبيلي

  «شرفات الأمريكان»، تتحدّث «عني» أنا عن واقعي وأحلامي؟
  «سلوان العنب» طقس احتفالي مبني على اللغة، فيه خطاب للناس بلا كلفة؟
  غيابي عن المعرض ليس خيارا و إنما لظروف طارئة؟؟

تدخل الصالون الدولي للكتاب»سيلا 2019» في طبعته 24، بمؤلفين، هما باكورة أعمالها، في عالم الكتابة والإبداع، «إلهام بورابة»، مبدعة من قسنطينة، تتجوّل بقلمها منذ أكثر من ثلاث عشريات بين القصة القصيرة،القصيدة النثرية، الرواية والمقال الأدبي، ساعدها تخصصها النفسي في اقتفاء أثر النفس البشرية ومعرفة أسرارها، فتتحدث تارة عن صراع الذات وتارة عن المرأة وتارة أخرى عن الوطن ووو.. استخدمت في كتاباتها لغة عميقة،شاعرية معبرة، ستحمل من غير شكّ القارئ إلى عوالم الأدب الراقي.
عشية البيع بالتوقيع لمؤلفيها خلال معرض الكتاب الدولي، طرحنا عليها جملة من الأسئلة ننقلها للقارئ من خلال هذا الحوار الذي تحدثت فيه الكاتبة بحرية  وبشيء من التفصيل وبجرأة المرأة المثقفة التي تطرح وتدافع عن مواقفها بشجاعة.    

- الشعب / تشارك الكاتبة «الهام بورابة» في الصالون الدولي للكتاب «سيلا 2019» ولأول مرة بباكورتين من أعمالها الأدبية، هل يمكن أن يتعرف القارئ على فحواهما ؟.  
-الهام بورابة /  كتابي الأول «سلوان العنب» عبارة عن مجموعة شعرية صادرة عن دار «إيكوزيوم»خلال شهر أكتوبر 2019، تزامنا مع المعرض الدولي للكتاب، وحتى يتعرف القارئ على مضمونه، فهو عبارة عن طقس احتفالي ينبني على اللغة، فيه خطاب بلا كلفة  للناس ولظواهر مختلفة في الحياة عبر 53 قصيدة نثرية تحكمها علاقة شعرية كامنة وحركة باتجاه مسائل الشعر ومواضيعه الوجدانية. ويمكن تصنيفها في مجموعات لتبني لها صيغة تعطي صورة خاصة تميّز مجموعة عن أخرى.  ففيها مجموعة فرح من نصوص مثل (نشوة، رغوة سعيدة، أمل، نجاة، الغناء بالجسد). مجموعة الشهور والفصول إشارة إلى زمنية عبور تجربة شعورية إلى تجربة شعرية وهي نصوص ( أفريل، سبتمبر، خريف، شتاء،...). ومجموعة الأحداث الصغيرة وهي مقطوعات قصيرة جدا تعبّر عن موقف وامض تضم نصوصا عن مختلف ما نألفه في حياتنا اليومية مثل نصوص: (رقعة زبدة، أكواريوم، خزانة،صنوبرة، صديقي الكلب، القلم).
من موقع الشعر في علاقته بخلفية الشاعر الثقافية، فقد كان لتخصصي النفسي نصوص مثل (ذهان، فراشات / قدرات خاصة، حياة سابقة)..
ولأنّه ديوان للشعر والشعر في خلاصته الشيء الحميم الرومانسي فقد كانت نصوص (مشهد حميم، كالدانوب، I purple you،عاد الليل يا ليلى ، ...).
جاء كل هذا في نسق أستمد منه ما يؤهّلني أن أكون بصوتي لا بخطاب نموذجي يناقض حقيقة المعاني التي أتنهّدها. ولخصّت هذا في نصّ «أدعوك بالحقيقة».
سيقال أن «أجمل الشعر أكذبه»، وليس على الشعر أن يكون حقيقة، لكن هذا كلام النقاد. أما الشاعر فيفضح سرّه كنباتات الأرض.
هكذا، فــ»سلوان العنب» يقول بإيجاز أنّ هناك أسماء عنب وأخرى أمل. حتى أن العنب في العنوان «سلوان العنب» فاسم يدل على قسنطينة من حيث العنب بعدد حباته هو أسماء سعيدة من مدينتي مثل نص صقل النحاس، وهذه حرفة لا توجد إلا بـ»سيرتا»، أقول فيه: «ما كنت ندمت، لو فقط أفتخر بعدّ حبات العنب، جففتها للشتاء وأنا خجلى، أستقدم ألوان الطباع لأحسّن سيرة»، من حيث سيرة فيها نوع من النحت أو الترخيم لـ»سيرتا».
فــ»سيرتا» هي سلواني، مدينتي التي غادرتها عام 1988 بعد حادثة هزتني، هو العام الذي تزامن فيه انتحار أخي من على جسر «سيدي مسيد» وانتحار الشاعر الذي كان صديقا قريبا هو «عبد الله بوخالفة». بين أخي و»بوخالفة» صدفة قدر عجيبة، حكاية غريبة تعلّقت بالإبداع. ثمّ تعلّقت بموت فجيع. ثمّ بسيرتا والكتابة. فوّدعت فيهما كل شيء. انسحبت من سيرتا ومن الكتابة وبكل ما يذكّرني بالحادث الأليم، وكان أن هوت هذه التجربة «المرة» في نصوص فكان مثلا نص «غرباء» ويأتي مباشرة بعد نص «سيرتا» أجمل الأوقات، ونصّ وعبرت الصحراء وقلت خصوصا عن الشاعر «عبد الله بوخابفة» أربط اسمه أيضا بالعنب: «رحلوا، ومازالوا في الحياة بين زهر وزبيب، فهم شعراء يتبعهم الباكون والأقمار». العنب الذي نجففه زبيبا أراه مثل التحنيط. لأقول: «على الشاعر «عبد الله بوخالفة» أن يواصل حقه في الحياة في حرارتي ودفقي».
 وفي الإجمال، «سلوان العنب» هو كما أقول في قصيدة وعبرت الصحراء: (بين زهر وزبيب) وهكذا كان هذا المولود الإبداعي. أتمنى أن يتداوله القرّاء ويقنعهم بفكرته التي هي: «إن هذا العالم جميل جدا».
 أما المؤلف الثاني،»شرفات الأمريكان» فهو مجموعة قصصية صادرة عن دار «أجنحة الثقافية» سنة  2018.
بداية، وكالعادة عند تقديم نصوصي، أحبّ دائما أن أستحضر «زوربا» في مقولة «نيكوس كازانتزاكيس»: «أنا زوربا فأتحدّث عن زوربا، ليس لأن «زوربا» أحسن من غيره، بل لأن «زوربا» هو الوحيد الذي يقع تحت سلطتي، وهو الوحيد الذي أعرفه».
إذاً، فالمجموعة القصصية «شرفات الأمريكان»، تتحدّث «عني» حتّى وإن مال بالقارئ عنوانها إلى الخارج. إنّها أنا، واقعي وأحلامي، حتّى الخرافة الحاضرة فأتت من حيث أنّ اعتبار التنشئة الأولى هي المؤثر الأعظم في تشكيل الذات الكاتبة مهما ابتعد العمر عنها بتجارب أكثر نضجا.
تبدو عناوين المجموعة منفصلة، لكنها مرتبطة لأجل إنشاء سيرة ذاتية مقتضبة: «لأجلك يا قدس، بطل للحياة، في جبّة جدي جنيّة، المعبد، حياة، أمي حبة البركة، مالك الحزين، شرفات الأمريكان، عقيق الشمس، اسم الطفلة صدكة، من إفريقيا أناديك يا وطني».
 فمثلا من رأس البكرة، «لأجلك يا قدس»، تنسلّ «نعيمة» بطلة القصة من طفولة بعيدة كمرجع أقيّم وأقوّم وفقه كلّ ما سيحدث لاحقا، فأقدّم سيرتها / مسارها، تقدّمي فيه، تأخّري عنه، وتأثيره الماضي والحاضر في حياتي . ومهما اختلف البطل من قصة لأخرى، فتظلّ «نعيمة» هي البطلة، حتى في قصّة «بطل للحياة» التي تقدّم الشهيد «حسان بلخيرد» بطلا قضى في تجارب فرنسا النووية في حموديا. لتستمر في قصة «في جبة جدي .. جنية» لأن بيتها المسكون بالجن كان لجدي.
في قصة «المعبد» نعيمة الصحفية هي الحلزون على السطح يستنجد بالقوقعة تصويرا لما حدث لرجالات الصحافة في العشرية الحمراء وانتقادا للفكر «التديني» الذي باسمه أبيدت الحياة.
الحياة، هي ما أعود إليه في قصّة  «حياة» للمقارنة، لأفصح عنّي، لأحكي عن أبي الذي ربطني بأسباب الحياة اللذيذة من خلال شعار «فكّ عزلة يعني حياة»، لأقابل إليه صورة أمي  في قصّة «أمي حبة البركة» فأبرز الصراع بين نعيمة وأنا الصفة المتنحية عنها، أحاول أن أبعد بيني وبينها، بتكثيف المحبة والتسامح لأمي التي أنتجت نعيمة في عقلي.
ويستمرّ الاسترخاء في قصة «مالك الحزين»، وفيها أقدّم الكاتب «مالك حداد»، أعيد عليه بعض الأطروحات الإنسانية والتاريخية، أسئلة لا تبحث عن أجوبة، لكنها لا تنفصل عن الفكرة الأم للمجموعة، وهي الصراع بين الذات ونموذج يدعى نعيمة، نعيمة الفتاة المجنونة بالبيت المقابل لبناية «الأمريكان». فتأتي قصة «شرفات الأمريكان»، القصة القصيرة ذات العمر الطويل، ربما ولدت فكرتها معي وأمي تضعني قريبا من شرفة بيتنا في الصيف مقابلة بيت نعيمة. وفيها أشيد بخالتي حورية بوّابة العمارة، امرأة أمية من جبال الأوراس تفك رموز الحضارة بمهارة.
«شرفات الأمريكان»، تمثيل لوطن متحضّر عصري، ومثالي. لتأتي قصة «غدا التقينا» لتعزّز هذه الفكرة، تقدّم حوّاء امرأة في شدّة، واحدة من بناية الأمريكان، ففي حين لم تلق نعيمة يدا تربّت على كتفها المخلوع، تمتد أيدٍ إلى حوّاء لأنها تنتمي لمجتمع الأمريكان.
وهكذا تظلّ «نعيمة» الصدمة التي تربك الذات الكاتبة، وتظل بناية الأمريكان وطن الأمان وبعيدا عنه يكون الخذلان، والذل، والجنون، والخسارة؟
هذا الخوف، الذي كان قابعا في اللاشعور سيبرز في قصة «عقيق الشمس»  وسأكون بدل «نعيمة» المجنونة في البيت المقابل، ويكون البيت المقابل بيت ندى، ابنة شاعر، كلما نظرت إليها أشرقت في ظلمة نفسي شمس. وأبدأ الحلم مثل نعيمة، أن أكون من ذاك الوطن المثالي الذي يشبه بناية الأمريكان. والذي أناجيه في القصة الأخيرة من المجموعة «من إفريقيا أناديك يا وطني» وحتى لو فصلت قصة «اسم الطفلة صدكة» بين القصتين
/ الوطنين، فهي وصل، لأخلص إلى القول أنّ الأنثى هي دائما الضحية في المحن والصراعات الصغيرة والكبيرة والحروب، حيث تتناول القصة، معاش طفلة مالية لاجئة القائم على الصدقة من هنا وهناك ومقابل الصدقة يؤخذ منها درعها الواقي. فتحمل وتضع أنثى أخرى تنمو بها الصدقات وتربو الأوبئة الاجتماعية وأنثى ضحية أيضا في الميزان.
في قصة من إفريقيا أناديك يا وطني، رغبة مبطّنة ودعوة مستترة للاسترجال،كأحسن قوّة للمقاومة.
 و الخلاصة أن «شرفات الأمريكان»،ليس عنوان قصة واحدة، بل هو المجموعة كلّها،وإذ أقدّمها للقارئ، فإنّي أتقدّم خطوة وأحسبها خطوتين نحو النجاة.
الشعب/البيع بالتوقيع في الصالون الدولي للكتاب فرصة العمر لكل كاتب يريد الانطلاق نحو الشهرة.. لكن تحضر أعمالك و لأول مرة ؟ وتغيبين عن هذا المشهد الثقافي الهام،كيف تبرر « الهام بورابة» هذا الغياب؟.
 الهام بورابة /  أجل، حضور صالون الكتاب لتوقيع عمل هو فرصة كل كاتب. لكن «إلهام بورابة»، وبعد تحضير ورغبة وترقب تغيب. ليس خيارا وإنّما الظروف الطارئة التي هي نفسها بسبب الواقع الاجتماعي الذي مازالت المرأة تعانيه في بعض الجهات وفي نطاق معين من فئات المجتمع الجزائري. آمل مستقبلا أن يتحسّن وضعي لأثبت كاتبة وأسجل موقفي من هذا المجتمع  بشجاعة.
الشعب / بداياتك الأدبية كانت في منتصف الثمانينيات تقريبا، لكن أول باكورة أعمالك كانت السنة الماضية فقط، كيف تفسرين هذا التأخير عن النشر؟
 الهام بورابة/ بدايتي حقا كانت في الثمانينيات. وقد كانت بداية واثقة ومزدهرة. نشرت في صحف وطنية (النصر ، الشعب ، المساء)، لكن لم تكن مطلقا الفرصة تتيح الطبع في كتاب مثلما هو عليه الأمر الآن. أمّا تأخري بعد أن صار متاحا فيعود لإمكاناتي المادية المحدودة ولم أحظ بدعم من أية مؤسسة ثقافية مسؤولة على الأمر هذا. حتى أني خلال قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015 قدّمت مجموعتين في قصيدة النثر لمديرية الثقافة بقسنطينة ولم أتلقّ ردا. الحمد لله جاءت الفرصة اليوم لأطبع ويظهر إبداعي.
الشعب   بعد هذه الانطلاقة الواعدة في مجال التأليف، هل من مشاريع أعمال أخرى في المستقبل القريب؟
 الهام بورابة /  للمشاريع في التأليف، فإن الكتابة دوما بالإمكان. نسأل الله أن يكون الطبع ممكنا. بحوزتي مجموعات أخرى في قصيدة النثر ونصوص مفتوحة ومقالات أدبية، لكن الرواية حاليا هي الغواية. لي روايتان جاهزتان أنتظر فقط فرصة الطبع.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18116

العدد 18116

الأربعاء 04 ديسمبر 2019
العدد18115

العدد18115

الثلاثاء 03 ديسمبر 2019
العدد18114

العدد18114

الإثنين 02 ديسمبر 2019
العدد18113

العدد18113

الأحد 01 ديسمبر 2019