الوطنية ومعادلة الرّبح والخسارة

فتيحة كلواز

ما الذي جعل شبابا أعزل المحظوظ منه تعلّم في الكتاتيب والزوايا يحمل على عاتقه رسالة الحرية، ويؤمن بشروق غد أفضل، الى درجة أنه وقف الند للند مع المستعمر الفرنسي الذي فشل في طمس الهوية الجزائرية حتى وإن قارب احتلاله القرن والنصف؟ ما السر في شباب آمنوا بجزائر حرة رغم أنهم ولدوا وترعرعوا تحت الرّاية الفرنسية؟ ما الفرق بين ذاك الذي حمل على عاتقته رسالة أمة وهذا الذي يحمل مشروع تطور ونماء؟
أسئلة علقت في ذهني منذ تعرفي على هذا الوطن من خلال رايته التي كان يعلقها والدي في منزلنا، فمنذ نعومة أظافري علّمني أنّ العلم مقدّس ممنوع تدنيسه بأي حال من الأحوال، ومع مرور السنوات كان مفهوم الوطن يكبر داخلي وصار يتغير تعريفه في كل مرحلة عمرية أعيشها...من راية الى أرض إلى هوية الى يقين وايمان راسخ وأخيرا الى الحقيقة الاكيدة التي لا غبار عليها، ولكن خروجي الى المجتمع جعلني أصطدم بواقع تتقاطع المصالح الخاصة داخله لأدرك ان الجزائر صورة جميلة يلوّنها كل واحد من هذا المجتمع على هواه، وهي أيضا حقيقة قطعية فهم كل واحد لها مختلف عن فهم الاخر، أمر أدخلني في متاهة غريبة كانت بدايتها كل تلك الأسئلة التي يحاول الجميع الإجابة عليها ولكن دون جدوى؟
الغريب أن أي مقارنة بسيطة بين جيل الثورة وجيل الجزائر المستقلة يجد أن الظروف الحالية أحسن بكثير بل لا تقارن بما كانت عليه في جزائر «ليزانديجان»، ولكن الحس الوطني كان رغم كل ذلك البؤس والشقاء كبيرا ما خلق صنع الفارق في معادلة الاحتلال لأنه من رجح كفة الاستقلال، ففتيل المقاومة لم يخمد أبدا منذ أن حط المستعمر الفرنسي قدمه ذات يوم من سنة 1830 الى ان توّجت بثورة جمعت الجزائر كلها حول مطلب واحد هوالحرية والهوية.
الخطابات السلبية التي تمررها بعض وسائل الاعلام عزّزتها مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت قاعدة بيانات مفتوحة على كل شيء ما جعل السّابحين فيها فريسة سهلة لكل متلاعب بالقيم الوطنية، التي تحولت مع الخلط واللغط الحاصل مرتبطة بأسماء معينة، وأصبح الولاء أو الاختلاف هو من يحدّد وطنية أحدهم مقارنة بالآخر، حتى تحول الصراع الى نزاعات مبتذلة في «بلاتوهات» القنوات الخاصة لرفع نسبة المشاهدة ما أظهر على السطح مفهوما جديدا للوطنية مرتبطا أساسا بالحسابات التجارية، هكذا أدخلت «الوطنية» بورصة المال والاعمال قصرا وأصبحت اسهمها تتأرجح بين صعود وهبوط.
في الحقيقة إن خروجي الى الشارع لسؤال الجزائري عن الوطنية، جعلني أقف مدهوشة امام التعاريف العجيبة والغريبة والكثيرة التي سمعتها منهم، حتى ان قواميس العالم لا تستطيع استيعابها، المهم انه ورغم اختلافها وعلى كثرتها هي كلها تعريف لشخص من زاويته الخاصة مرتبطة أساسا بالحياة التي يعيشها...هكذا تحول الوطن الى اوطان على ارض واحدة تفرقت القلوب وأصبح لكل واحد منصته الالكترونية يتفاخر فيها عن وطنيته التي طبعا ستكون هي الصادقة والحقيقية!
من حظ جيلي والجيل الذي بعدي اننا كنا نشم نسائم الثورة الجزائرية والاستقلال، وإن كانت خفيفة ولكنها رسخت داخلنا صورة جميلة لأرض كانت دائما سببا قويا ليجتمع شعبها، أرض تلونت بألوان مختلفة خلقت تنوعا ثقافيا غنيا اجتمعت على اختلاف درجاتها لتشكل قوس قزح ظهوره يكون دائما إيذانا بانتهاء العاصفة لتشرق شمس تدفئ قلوبا تغلغل الى داخلها برد صنع حزنها، ولكن حتى يستطيع الجميع جمع ولملمة الاختلاف علينا أن نتعلم أولا أن الوطن فوق أي مصلحة نستطيع ربحها منها لأن الوطنية لا تباع ولا تشترى، وكما سبّل الشباب انفسهم من أجل الجزائر دون أي حسابات لربح أو خسارة، علينا اليوم أن نتعلم تلك المعادلة التي غالبا ما تكون الطريق الوحيد لبناء الجزائر التي سقت أرضها دماء طاهرة أقسم الله في علياء سمائه أنّها لن تذهب سدى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18188

العدد18188

الجمعة 28 فيفري 2020
العدد18187

العدد18187

الأربعاء 26 فيفري 2020
العدد18186

العدد18186

الثلاثاء 25 فيفري 2020
العدد18185

العدد18185

الإثنين 24 فيفري 2020