حسينة حاج صحراوي لـ “الشعب”

“سلامة” أنشئت في أوجّ العشرية لتكون سلاما للوطن

أجرى الحوار: أمين بلعمري

إنّ الحديث عن التّجارب الإعلامية بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، يجرّنا بالضّرورة إلى الوقوف عند مرحلة حرجة اجتازتها الجزائر، تحوّل خلالها الصحفي ــ الأعزل من كل سلاح ماعدا فكره وقلمه ــ إلى هدف مفضّل للآلة الإرهابية الدموية، التي اغتالت غدرا خيرة ما أنجبت الجزائر من نساء ورجال الإعلام، الذين وقفوا في وجه الظّلامية وفضحوا مخطّطاتها المخبرية الشّيطانية الرّامية إلى إركاع الجزائر دولة وشعبا، وهذا من خلال المراهنة على تحطيم التناغم الاجتماعي والانسجام الديني  والعقائدي، وهو المشروع نفسه الذي فشلت فرنسا في تحقيقه على مدار 130 عاما.

إنّ تلك الفترة العصيبة من تاريخ الجزائر شهدت ميلاد تجارب إعلامية، حاولت في عزّ الأزمة نقل صورة مغايرة عن ذلك السّيناريو القاتم الذي رسمته وسائل إعلام مأجورة مهمّتها إجهاض أدنى وميض أمل، اعتقادا منها أنّ الإعلام الجزائري الجريح  قد انتهى ولم يعد قادرا على مواصلة المعركة بينما ظلّ الأخير صامدا.
ولعل من أكبر علامات ذلك الصّمود ميلاد العديد من الصحف والمجلات خلال تلك الفترة التي كان من بينها مجلة “سلامة”، التي تأسّست عام 1996، وهي تجربة إعلامية أثبتت نجاحها ضمن محاولات أخرى ساهمت في إثراء المشهد الإعلامي المتعدد الذي عرفته الجزائر.
ولمعرفة المزيد عن تجربة “سلامة” التي تشرف على عامها العشرين من الصدور ، اقترت “الشعب” ــ التي أفردت عددا بمناسبة اليوم العالمي لحرية الإعلام ــ من السيدة حسينة حاج صحراوي مسؤولة نشر “سلامة” التي تهتم بالقضايا التي تخصّ الجزائر تحديدا والمنطقة المغاربية بشكل عام.
❊ الشعب: في البداية هلاّ أعطيتنا لمحة عامة عن مجلتكم “سلامة”؟ وعن سبب اختيار هذا الاسم تحديدا؟
❊❊ حسينة حاج صحراوي: مجلة “سلامة” باللغة الفرنسية تصدر في الجزائر وفرنسا، وهي تتبنّى خطّا افتتاحيا موجّها للجماهير العريضة، يستهدف القرّاء الجزائريين والمغاربة، وكل من لديهم اهتمام بثقافة هذه المنطقة. كما تتعرض مجلتنا التي تحاول التوسع في مواضيع الساعة في المجال الثقافي، الاقتصادي، الاجتماعي وكذا السياسي، ضمن خط افتتاحي إعلامي قريب من الجميع يستجيب للتطلعات الفردية والجماعية لكل جزائري سواء تعلق الأمر بالمواطنين المقيمين في البلاد أو المهاجرين في أوروبا وفي الضفة الجنوبية للمتوسط. أما ما يخص سؤالكم حول اختيار هذا الاسم للمجلة، فإنّني أودّ هنا أن أذكر أنّ البحث واختيار التّسمية كعنوان للمجلة استغرق عاما كاملا قبل الاستقرار على اسم “سلامة”، الذي جاء ليعبّر عن التّفاؤل والتطلع إلى السّلام في الجزائر التي كانت تنشد الاستقرار
والانتهاء من كابوس الإرهاب، علاوة على أنّ هذا الاسم يسهل نطقه بكل اللغات الأجنبية الأخرى.
 ❊ كيف جاءت ونضجت فكرة إنشاء هذه المجلة سنة 1996؟ وهل تمكّنتم من الحصول على الاعتماد بسهولة خاصة  وأنّ البلاد كانت تعيش أوضاعا استثنائية؟
❊❊ لقد راودتني أنا وشريكي فكرة تأسيس مجلة بما أنّني كنت أناضل قبل ذلك في الميدان الجمعوي من أجل الدفاع عن حقوق المهاجرين، وبعدها على وجه الخصوص ضد الارهاب والعنف في الجزائر، علاوة على أنّني أنشأت سنة 1995 جمعية لمكافحة العنف تس”جمعية التضامن و مساعدة ضحايا العنف في الجزائر”. ولقد شاهدت ما يكفي ممّا كانت تبثه وسائل الإعلام الفرنسية حول الجزائر على شاشاتها، ولما كان ذلك يخدم أجندة الإسلاميين فقط خاصة عندما يتهمون أفراد الجيش بالتواطؤ وبأنهم قتلة، والتركيز فقط على مشاهد الدم والقتل...إلخ. كما أنّهم كانوا ينعتوننا بالارهابيين، هذا علاوة على أنهم وعند حصول أي اعتداء وأي سلوك منحرف يلصق بالجزائريين أو بفرنسيين من أصول جزائرية. ولقد سئمت من سماع ومشاهدة ذلك، وكان عليّ الرد والوسيلة الوحيدة لمواجهة بقدر المستطاع هذه الهجمة الإعلامية الشرسة، قرّرنا تأسيس مجلة “سلامة” لإعطاء صورة مغايرة وأن الجزائريين ليسوا إرهابيين وأن هناك جزائريون في فرنسا وعبر العالم كله يعتبرون نماذج للنجاح في شتى الميادين.
و إذا أقررنا أنّه كان هناك إرهاب في الجزائر فإنّ أغلبية الجزائريين بالمقابل وقفوا في وجهه وقاوموا الخوف، إن كل ذلك الاحتقان دفعنا إلى إنشاء هذه المجلة التي تنشد السلام. أما فيما يخص الاعتماد
وبما أنّ تصميم وتأسيس المجلة تمّ في فرنسا، فإنّه لم يكن هناك إشكال في الحصول عليه و لكن الأصعب كان في الحصول على مقر، فالجميع في فرنسا رفض طلبنا بإيجار مكاتب وذلك بمجرد اطلاعه على أنّها ستحتضن مجلة جزائرية، لقد كانوا يعتبروننا “إرهابيين” لا أحد كان يريد التعامل مع الجزائريين، صدّقوني لم يكن الأمر سهلا مطلقا لقد عانينا كثيرا من ذلك. كان علينا تغيير مبرراتنا، وكانت الفكرة في كل مرة القول بأنّ المجلة تهتم بالإعلانات فقط، وبهذه الطريقة كسبنا شيئا من الثقة. وعلى العكس من ذلك كانت الصعوبات في الجزائر في الحصول على الاعتماد، واستغرق الأمر أكثر من سنة بسبب العراقيل البيروقراطية، المواطن هو من يدفع الثمن دائما، ولكنّني لم أستسلم لأنّني لا أحب الإخفاقات.
❊ ما هي أهداف تأسيس هذه المجلة وما هي مجالات اهتماماتها؟
❊❊ إنّ هدفنا هو المضي قدما في مواصلة الكفاح، وهذا بالرغم من أنّه أصبح لدينا مكانا، وبالرغم من أنّنا فرضنا أنفسنا في فرنسا فإنّ الطريق لا يزال محفوفا بالعراقيل، وما زال علينا السير وقطع مسافات أخرى لاستهداف أكبر قدر من القرّاء في الجزائر وفي الخارج لنكون همزة وصل بين الجزائريين المقيمين في الخارج
وبلدهم الأصلي ليتحقق التبادل السوسيو - ثقافي والاقتصادي، وعلينا أن نكون رسل نجاح وأن نعطي المثال للآلاف من الشباب من هنا و هناك، علينا أن نشكّل جميعا قوة على الصعيد الدولي.
أمّا مجالات الاهتمام فهي النجاح والتمويل، وخاصة تسهيل الإجراءات الإدارية في الجزائر التي لا تزال جد معقدة.
❊ ما هي مصادر تمويل المجلة؟ وكيف تحصلون على الاشهار؟
❊❊ أريد أن أقول هنا أنّ الصفحات الاشهارية هو أصعب شيء يمكن الحصول عليه لا سيما في الجزائر، وكذلك الأمر فيما يخص الحصول على الاشتراكات. وبما أنّ الأمر يتعلق بالبيع المباشر دون وسيط فإنّ عائدات الاشتراك كان من المفروض أن تدخل مباشرة إلى حساب المجلة، ولكن للأسف ليس هذه الثقافة السائدة في الجزائر والإدارات تفضل اليوميات
والمجلات الأجنبية.  
❊ كيف تساهم مجلّتكم في إثراء المشهد الإعلامي داخل الجزائر وفي تحسين صورتها في الخارج؟
❊❊ أولا: من الأولويات هي تأسيس مجلة نوعية بطباعة متميزة، وتكون منظّمة بإحكام في المجال التقني بصور من النوعية الجيدة.
ثانيا: الحصول على أقلام متميزة وخاصة الحصول على المعلومات، وليس الاجترار والتكرار كما تفعل بعض المجلات.
ثالثا: الحضور من خلال التوزيع في الأكشاك، المكتبات والحضور في المعارض بالخارج وأخيرا هو التواصل بمصداقية
والدفاع عن العنوان والبلاد والابتعاد عن إثارة المشاعر، لأن ذلك غير مجد. وفي الخارج هناك الكثير من المجلات المتخصّصة في هذا الشأن.
❊ هل تطمحون إلى استحداث طبعة باللغة العربية لمجلة “سلامة”؟
❊❊ إن أملي هو استحداث طبعة باللغة العربية، خاصة وأن هناك مطالبة من القراء ومن بعض المتخصصين بذلك، كما هناك أمل في استحداث سلامة للمرأة وسلامة للصحة.
❊ هل ترون أنّ مجلتكم حقّقت الأهداف المسطّرة بعد مرور 19 سنة على إنشائها؟ وهل لديكم مخطّطات عمل مستقبلية كإنشاء طبعة إلكترونية مثلا؟
❊❊ لم نحقّق الأهداف المسطّرة بعد،  وذلك بسبب الوتيرة الادارية الثقيلة وفي كيفية التعاون بطريقة ذكية مع الإدارة  والمؤسسات العمومية من أجل الحصول على عقود الإعلانات. والمثير للفضول هنا أن هذه الصّعوبات لا تواجه المجلات الأجنبية.
بالاضافة إلى ذلك، فإنه يمكننا القول أننا حقّ  الاهداف المسطرة لما ترى المجلات المذكورة سابقا النور، وخاصة الطبعة العربية.
أما ما يخص استحداث طبعة إلكترونية اقتصادية للمجلة باللغة الفرنسية هو من بين الاهتمامات، كما أحلم بتأسيس قناة تلفزيونية على شكل قناة “تيفي 5 موند” تهتم فقط بالمنطقة المغاربية، تكون في نفس توجه مجلة سلامة، ولكن للاسف هناك شح في الامكانيات ولكني أبحث دائما عن مصادر تمويل أو مستثمرين لديهم الرغبة في خوض التجربة معي، وقد زرت مؤخرا الامارات العربية المتحدة بعد أن تلقّيت دعوة مهنية ولاقت رغبتي في إنشاء فرع سلامة باللغة العربية هناك ترحيبا.
❊ بصفتكم مسؤولة عن النّشر..هل يمكنكم أن تحدّيثنا على هامش الحرية في تناول المواضيع الوطنية والدولية؟
❊❊ أتمتّع بهامش كبير من الحرية في معالجة المواضيع، لم أواجه أيّة مشاكل من أي كان، كما أننا لا نتلقى الأوامر
والحماية من أي كان، ولا ننتمي إلى أي مجموعة، بالعكس فكثيرا ما أشتغل بمفردي. وللتذكير كنا من الأوائل الذين كسّروا بعض الطّابوهات حول بعض الممارسات المنحرفة في المجتمع على غرار اغتصاب الأطفال والعنف في الجزائر، ولقد كلّفتني هذه الحرية الكثير من التضحيات خاصة على الصعيد المالي وحتى في حياتي الشخصية. أنا عصامية بنيت ذاتي بمفردي والوحيد الذي ساعدني هو والدي ــ رحمه الله ــ ماعدا ذلك فلم أتلق أي مساعدة لا في الجزائر ولا في فرنسا، ولا حتى فلس واحد.
ولم نستعمل هنا في الجزائر ولا مرة واحدة مؤسسة أو مطبعة حكومية لطبع المجلة، إنّنا لا نمتن لأحد بل بالعكس لدينا مستحقات لدى بعض المؤسسات العمومية لم نتحصل عليها بعد، نحن أحرار كالهواء الطلق نفعل ما نشاء في هيئة التحرير، مع احترام حرية وخصوصيات الآخرين.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018