المجاهـــد العابـــد رحمــاني فــي شهـــادة مثيرة لـــ«الشعب»:

إلتحقــــــت بصفــــوف جيــــش التحريــــر بمنطقــــة الأولــــى في ســــن الـ 15

سهام بوعموشة

 

ما يزال تاريخ منطقة الأوراس زاخرا ببطولات رجالها ونسائها، ولم يستوف حقه من الكتابات التاريخية، قصص رجال عظماء لا تنتهي بعدد شهدائها ،من هؤلاء  الرجال الذين إلتقيناهم لدى زيارتنا لباتنة وتشرفنا بالحديث معه لما سمعناه من قصص مشوقة عن تضحيات أجدادنا المجاهد العابد رحماني الذي يشغل حاليا الامين الولائي لمنظمة المجاهدين بباتنة.
 رغم أنه في البداية رفض المجاهد رحماني  الإدلاء بشهادته عما عايشه إبان حرب التحرير الوطني، بسبب أن بعض الصحفيين لا يدونون ما قاله، لكن بعد إلحاح وافق على الحديث ، مقدما  لنا أسماء مناضلين كانوا أبطالا في الجهاد لكنهم وللأسف مغيبون في الذاكرة الوطنية.

الحديث كان شيقا مع عمي العابد، عن ذكريات حرب التحرير الوطني بمنطقة الأوراس التي تحملت عبء الثورة وقساوة الاستعمار، وفي كل مرة يتذكر رفقاء الدرب الذين أخلصوا في الجهاد يذرف دموعا بريئة وصادقة نابعة من رجل أدى واجبه بحق من أجل استرجاع السيادة الوطنية رفقة إخوانه في النضال.
كان شديد الحرص على تقديم المعلومات التاريخية الصحيحة وبدقة قائلا ل «الشعب» :» عيب علي  أن تأتيني صحفية  من جريدة «الشعب» بالعاصمة ولا أقدم لها المعلومات الدقيقة. فهذا تاريخ لا ينبغي أن يحرف». وأشير هنا إلى أنه طيلة  حديثه معنا يتكلم  عمي العابد عن نضال رفقائه بينما يتحدث  قليلا  عن نفسه  ومسيرته النضالية، وهذا نعم التواضع الذي يتحلى به.
من مواليد  ماي سنة 1942  بمنطقة الأوراس، إلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1956 ولم يتجاوز سن 15 سنة ، ناضل عمي العابد على  ثلاث مراحل  الأولى في الكتيبة المسلحة، علما أن السلاح بالمنطقة لم يكن متوفرا، وقد اقترح عليه  ابن عمه حسين بولحية الذي كان ضابطا بجيش التحرير وهو شخصية بارزة ذات هبة استشهد بنقاوس بسبب وشاية إرساله إلى تونس للدراسة، لكنه رفض وفضل البقاء بمنطقته للجهاد وتحرير الوطن لأنه لم يدرك معنى الدراسة وأهميتها فهمه الوحيد هو الكفاح المسلح خاصة بعد استشهاد شقيقه،  قائلا لإبن عمه الذي كان متوجها إلى تونس:» لو ذهبت الى تونس لا يتركونني أرجع لأني صغير».
 فضل إبن عمه أن لا يضغط عليه ويترك له حرية الاختيار، وهنا يتذكر عمي العابد حادثة وقعت له حين كانت الدورية بغابة كيميل تهم بالمغادرة، وكان حينها يتكلم مع  ابن عمه الذي اقترب منه ليسلم عليه قبل الذهاب، بحيث كان حاملا مسدسا من نوع «طامسون» به رصاصة واحدة، فنزع الحزام من بطنه ووضعه على خسر المجاهد العابد. وقال له:»احتفظ بهذه الرصاصة يأتي اليوم التي تحتاجها فيه، حذاري أن ترميها كنت صغير ولا أدرك أهمية الأمور».
 سارت بعدها الدورية وكلما يتذكر ابن عمه الذي استشهد تنهمر دموعه، ويضيف أنه وقع خلاف في الأوراس آنذاك، ما أدى إلى تعيين سي علي النمر قائد المنطقة الثانية وطلب من قائد الكتيبة سي أحمد رحمه الله بأخذ جنوده للتجول في وادي عابدين، فانطلق الجميع إلى غابة  تمنطوت  بأريس وتناولوا عشاءهم هناك  ثم استكملوا المسيرة نحو واد عابدين، وفي ذلك  اليوم كان سي احمد نواورة رفقة مجموعته في اواخر نوفمبر او ديسمبر ذاهبين نحو تونس، وصدفة كان جنود الكتيبة  نائمين في الغابة، فسمعوا ضجيجا فنهض عمي العابد مع قائد الكتيبة فوجدوا كتيبة من الولاية الثالثة لمنطقة القبائل تضم حوالي 120 شابا متوجهين للدراسة بتونس و بدون سلاح فقط قائد الكتيبة من يحمل السلاح.
تقربوا منهم وطلب  قائد الكتيبة لمنطقة الأوراس وطلب منه منحهم السلاح الذي بحوزته  كون رصاصة واحدة تكفيه ليعطيه لعمي العابد الذي كان فتى صغيرا، فسلم قائد كتيبة الولاية الثالثة البندقية وقال له «كن رجلا». ويأمل المجاهد العابد لو التقى بذلك المناضل مرة أخرى لأنه حينها لم يكن ينتبه المناضلون للسؤال عن اسم المجاهدين الآخرين.
وفي المرحلة الثانية انتقل المجاهد العابد للعمل في كتيبة بالناحية الرابعة مع سي محمد الصغير عبد الصمد، الذي حسبه كان شخصية بارزة في الأوراس و درس في تونس واخذ تدريبات كبيرة في القاهرة وبعد الاستقلال تولى مدرسة الشرطة بسيدي بلعباس، ثم أصبح محافظا، لديه كتاب جيد عن مسيرته،وقد  توفي مؤخرا. عمل عنده مدة طويلة بعدها جاء الأخ سي إسماعيل مختاري  يوم استشهاد سي علي النمر، كانوا حينها بمنطقة شلية فطلب من محدثنا الذهاب معه إلى منطقة سطيف، قائلا:» طلبت منه ضرورة  استشارة قائد الكتيبة التي انضوي تحتها لوصيفي أحمد والذي كان بالنسبة لي بمثابة الأب والمربي، كونه يتوفر على أخلاق وشهامة رغم مستواه التعليمي المحدود جدا، لكن للأسف هذه الشخصية من المنسيين والمغيبين في الكتابات التاريخية».
ويضيف المجاهد عمي العابد  أن منزل عائلته كان يقع  في الجبل، أي هو  المنزل ما قبل الأخير عن الغابة، في حين المنزل المحاذي للغابة صاحبه مزيان محمد الأخضر  الذي فر مع الشهيد بن بولعيد من السجن، وهو الآن يقطن في بلدية تكوت شخص نزيه لا يحرف التاريخ، على حد قول عمي العابد.
 عند استشهاد شقيقه في غابة أمشطوح هرب إلى منطقة شلية، وبقي هناك  عند أعمامه لمدة شهر، حيث طلب منهم تجنيده فرفضوا رفضا قاطعا بحكم سنه الصغير الذي لا يسمح له بالجهاد، رغم إلحاحه بأنه مستعد لتنفيذ أي عملية أو أمر يطلب منه، إلا أن أقاربه أرسلوه فورا إلى منزله عند والدته التي كانت كل ليلة تطبخ الطعام  للمجاهدين، وفي احد الأيام قال لها:» إذا أردتني  أن لا أهرب  أطلبي من عمي أحمد أن يجندني في جيش التحرير، كي لا تقتلني فرنسا أمام أعينك؟ فردت متسائلة عما فعلته كي يفكر إبنها في الهرب من المنزل علاوة على أنه صغير، فلم تستطع والدته رفض طلب سي  أحمد الذي كان يحترمها  ويناديها أمي، كما أنه إبن قريتهم.
 وهنا يتوقف عمي العابد يذرف الدموع ويقول:» فكرت أمي قليلا ثم قالت لعمي أحمد خذ إبني يموت معك، عندما أتذكر ذلك أبكي بحرقة،  شيء صعب أن تطلب الأم تجنيد إبنها وهو صغير، إنها شجاعة كبيرة من والدتي».
 ويضيف:» طلب مني عمي أحمد  ارتداء ملابسي وكلفني بأعمال كانت بمثابة أشغال شاقة كالحراسة ليلا وجمع الحطب وغيرها ليصنع مني رجلا، خلال أربع أشهر شعرت أنني تغيرت وأصبحت افهم الأمور»، بعدها تنقل المجاهد العابد مع المدعو سي إسماعيل وهو مسؤول متخرج من جامع الزيتونة إلى المنطقة الأولى سطيف-، حيث  أودعه عند محمد الصغير عبد الصمد ليأخذه بعد إتمام مهمته، لكن شاءت الأقدار أن يستشهد سي إسماعيل في الطريق،.
  الشهيد سي إسماعيل محفوظ لعب دوره  كطبيب بامتياز

وبعد مدة تأتي مراسلة من الناحية ، تطلب شباب شجعان يحسنون القراءة والكتابة لأن مستشفى الولاية الأولى التاريخية بكيمل بحاجة إلى مثل هؤلاء الشبان.  فتم تعيين  عمي العابد من طرف محمد الصغير،  وتم تحويله إلى هذا المستشفى الذي يقع بغابة كيمل.علما أن هذا المستشفى كان متنقلا وفي كل مرة يغير مكانه عند اكتشاف السلطات الاستعمارية مكانهم، وكان  المستشفى في البداية  مجرد مركز صحي صغير في  سنة 1955، بسبب غياب ممرضين مؤهلين، وأول من وصل إليه سي إسماعيل محفوظ هو من منطقة القبائل الذي كان يدرس في مجال الصيدلية التحضيرية  بالعاصمة.
وعند اندلاع الثورة أخبر زوجته بأنه ذاهب إلى الجبل عند الشهيد بن بولعيد، و بالأوراس فتح هذا المركز الصحي  و لعب فيه دور طبيب بامتياز وأول مريض مصاب إصابة خطيرة و  عالجه السيدة بوستة أم هاني وهي حاليا على قيد الحياة تقطن في تكوت، حيث أنه  في 19 نوفمبر 1954، حين وصلت القوات الفرنسية للمنطقة، حاولت الاعتداء على أربع بنات من القرية، لكنهن قاومن وقتلن عسكري برتبة نقيب.
 بالمقابل  قتل العسكر الفرنسي زوج أم هاني، وضربوها بسبع طعنات خنجر في البطن، لكنها لم تمت ولهذا اطلق عليها اسم «الشهيدة الحية»، فحملها المجاهدون على نقالة من الحطب وأخذت الى المركز الصحي المتواجد بغابة كيمل  للعلاج لمدة 40 يوما إلى أن شفيت، وللأسف الفتيات الأخريات استشهدن في تلك اللحظة بعد عراك مع العسكر الفرنسي.
المستشفى كان مثل المخابئ يضم ممرضين قادمين من كل جهة، منهم من كانوا متعلمين بالمدارس شبه الطبي وآخرون خضعوا لتدريب قصير ، بناء على مخطوط كتبه البرفسور تومي هو عبارة عن دليل تمريض يتعلمون  منه، وبقي المجاهدون يعانون من  نقص في العمليات، والدواء الذي كان يجلبه الممرضون إلى المراكز سواء من المستشفيات عن طريق الأطباء ذوي ثقة.
كان المجاهدون يتنقلون مع المستشفى إلى غاية سنة 1960، تاريخ دخول الحلف الأطلسي الذي قام بأربع عمليات كبرى منها  المنظار» ،  وفي 12 اكتوبر 1960 جاء امر ليلا للخروج من الغابة، فإفترق كل مجاهد وأخذ مجموعته وكان محدثنا  رفقة عسكري بلجيكي هرب من الجيش الفرنسي وهو مصاب، كلف بحمايته ومعاملته معاملة جيدة هو وابن عمه المصاب ايضا وكلف احد المناضلين  يدعى لوصيفي للمشي معه كحماية مدة ليلة ونصف، وعند وصولهم إلى منطقة عين الكرمة القريبة من فرغوس، قضوا ليلة كاملة التي شهدت  قصف الحلف الأطلسي الذي جاء خصيصا لتحطيم منطقة الأوراس لكنهم لم ينجحوا ، وقد نجا بأعجوبة.
لكن عمي رحماني لم يشأ ترك ابن عمه المجروح،  الذي طلب منه المغادرة كونه جريح لا يستطيع المشي وخوفا من أن يلقي عليه الجيش الفرنسي القبض، وفي طريقه إلتقى بأحد رفقاء بن بولعيد وأخبره بقصف طائرات الحلف الأطلسي، وعند ابتعاده عن المكان بمسافة  10 كلم تم قصف المكان  بقنبلة فإفترق الجميع،  وعند العودة في المساء لم يجد عمي العابد  أحدا فقد أمسك الجيش الفرنسي بالبلجيكي وابن عمه ، ثم قتلوا البلجيكي عندما لم يحصلوا منه على مكان المركز ، قائلا:» أتذكر أن له بنتين وزوجته كل يوم كان ينظر لصورتهم، لكن فرنسا لم ترحمه لأنه هرب من عندها للالتحاق بالثورة».
 وهنا يتوقف المجاهد رحماني ليشيد بكفاءة ووطنية أحد الأطباء يدعى عثمانة محمود مختص في المسالك البولية وكان مدير في مستشفى بألمانيا سنة 1957، وترك ما كان يعيشه فيه من نعيم وجاء إلى الأوراس، أين  أجرى عمليات ناجحة منها نزع عين مجاهد اسمه سي موزاوي أصيب بطلقة نارية وذلك تحت شجرة العرعار، بعدها ارتاح ، لكنه للأسف أصيب بالجنون، ويضيف أنه بعد دخول الحلف الأطلسي  وقع ضياع كبير في الممرضين منهم الإخوة مبروك وصليح تربينت أحدهما  استشهد في سوق أهراس وأخر في وعين البيضاء شبان كالغزلان وهناك من استشهد بتبسة .
موازاة مع ذلك استشهد بودة  المكلف بالصحة في ناحية شلية الذي خرج سنة 1956 ولم يعد إلى الجزائر لكنه طلب ترخيص ليعود لرؤية أولاده، لكنه استشهد سنة 1961 فأرسل عمي العابد  لتعويضه في منطقتي شلية وخنشلة والمناطق الأخرى كان ذلك في أوائل 1961، إلى غاية وقف إطلاق النار.
أثناءها كان محدثنا  في منطقة خنشلة مع الكتيبة لتناول العشاء عند الشيخ بسة مسعود ، بحيث  كانت المنطقة محاطة بسياج ، وحسب عمي العابد فقد كانت لهذا الشيخ الكبير  أسرة بمثابة  آلات حين  يصل المجاهدون تغسل ملابسهم ويصلهم الأكل في الحين ، في  تلك الليلة كانوا ينتظرون إعلان  الحكومة عن وقف إطلاق النار ليبيتوا بإحدى البيوت، لكن في حالة عدم الإعلان عنه سيصعدون للجبل لاستكمال القتال، وعند خروجهم إلى منطقة نصيغة سمعوا البيان فمكثوا في إحدى المنازل، وفي الصباح كثرت حركة الاستقلال .
ويعود عمي العابد للحديث عن المجاهد  سي موزاوي الذي يقطن حاليا في فوكة 02 بمحاذاة القليعة، قائلا: « ذات يوم كنت في عين النعجة، نظمنا  مسابقة لإدخال طلبة في سلك شبه الطبي العسكري، وجدت ورقة مكتوب عليها موزاوي، سألت الطالب عن اسم والده الذي فقد عينه إبان الثورة بالأوراس، طلبت منه إخباره بزيارة»، ويضيف : «شخصية أخرى غير معروفة هي ملاح أحمد من بوفاريك كان ملاكم قبل الثورة جاء في دورية للولاية الرابعة، توقفوا عندنا بالأوراس ، بحيث أصيب بمرض خطير وحاول الدكتور عثامنة والمرحوم محفوظ إسماعيل إنقاذه لكنه توفي».
 «بابوشت»أول معركة بغابة كيمل عام 1954
ويواصل  المجاهد حديثه بالقول أنه حين قدوم الحلف الأطلسي بتاريخ 12 أكتوبر 1960 جاءهم أمر للخروج ليلا  من منطقة كيميل، فخرجوا و  نظرا للحالة الصحية المتدهورة للملاكم أحمد ملاح، تم وضعه في كهف كي لا يصاب بأمطار وتركوا له المؤونة (الحليب والروينة)، وعندما وصولهم إلى منطقة سي فرغوس مات من كان معه، وحين عودتهم وجد الملاكم  قد توفي في غابة كيمل.
 أبطال كثيرون تحدث عنهم عمي العابد منهم عبد الحفيظ طورش من الضباط والشخصيات البارزة في أول نوفمبر 1954، استشهد مع سي الحواس وعميروش ترك بنتين لم يجدوا أثار أبيهم لحد الساعة، ودائمي البكاء عليه، كما وقعت معارك كثيرة بالمنطقة وهي مدونة في المتحف أولها معركة بابوشت الكبيرة  في غابة كيمل وقعت يوم 13 أو 14 ديسمبر 1954 شارك فيها 180 جندي، معركة في جبل بوطالب دامت حوالي أسبوع.وهناك معركة الجرف الشهيرة، وقعت بتبسة دامت أسبوعا الذين قادوا هذه المعركة بدون منازع هما عباس لغرور، يلقب سيدي حني اسمه الحقيقي ورتان عبد الحفيظ، حسب محدثنا، لم تستطع فرنسا القضاء على هذه المعركة خلال أسبوع تركت عتادها ودباباتها وهناك معارك أخرى حدثت في الكثير من الجهات، منها معارك حضرها الشهيد  بن بولعيد بعد خروجه من السجن سنة 1955 وهي معركة إفري البلح في غسيرة قرب غوفي، معركة علي بن عيسى في نفس المنطقة، وقصة  سجن تفلفال بغسيرة للنساء الذي  يستحق تدوينه تاريخيا ، مشيرا إلى أن منطقة الأوراس تحملت ضغط الاستعمار ، داعيا المؤرخين لإعطائها حقها من الكتابة التاريخية. 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018