المجاهد محمد غفير لـ«الشعب ويكاند»:

ليلة الدماء والدموع.. ووصمة عار على جبين الحكومة الفرنسية

أجرت الحوار: سهام بوعموشة

محمد غفير المدعو موح كليشي الاسم الثوري، من المجاهدين القلائل الذين يدلون بشهادتهم حول مجازر 17 أكتوبر 1961 فمعركته ضد النسيان ما تزال مستمرة، ينتقل باستمرار عبر المؤسسات التربوية وفي المتاحف ليحاضر في كل مكان أينما تلقى دعوة، اهتم بتدوين مذكراته بعد تقاعده، سنة 1988، وفي كل مرة نتصل به لا يبخل علينا بالإدلاء بشهادته حول الأحداث التي عايشها وشارك فيها خلال الثورة بفرنسا، بحكم أنه كان مسؤول مقاطعة كليشي رغم تقدمه في السن، بل على العكس يسعد لتقديم شهادته للأجيال تجنبا لتزييف الوقائع التاريخية وهوما أكده في حوار مع «الشعب».

الشعب: بداية من هو موح كليشي الاسم الثوري؟
محمد غفير: وُلدتُ بقرية قنزات بسطيف سنة 1934، أين حفظت القرآن الكريم وتشبعت بتعاليم الشيخ العلامة المرحومة عبد الحميد بن باديس ومبادئ حزب الشعب، كما أن الكشافة الإسلامية غرست فيَّ روح النضال الوطني، بعدها تحصلت على شهادة الدراسات الابتدائية سنة 1951، لم أكمل دراستي ثم غادرت قريتي وتوجهت نحو العاصمة، أين تابعت تكوين مهني لمدة ثلاث سنوات بباب الوادي وتحصلت على الشهادة في الفاتح نوفمبر 1954.
 وفي سنة 1955 ألقي عليا القبض من طرف الدرك الفرنسي في حي بلكور (بلوزداد حاليا) لإجباري على أداء الخدمة العسكرية وكان عمري آنذاك 21 سنة، حيث أخذت لثكنة بيزو بالبليدة لتأدية الخدمة العسكرية.
* كيف انتقلت إلى فرنسا؟
** عندما تحصلت على أوّل تسريح رجعت إلى قريتي لرؤية والدتي وبعد عودتي للعاصمة قررت الهجرة رفقة والدي إلى فرنسا وبالتحديد بضاحية باريس بمنطقة كليشي، لأن حسّي الوطني أملى عليا رفض تأدية الخدمة العسكرية ككل الشبان الجزائريين الذين كانوا يرفضون أداء الخدمة العسكرية، وكانت باريس تعج بالعمال المهاجرين من كل البلدان خاصة التونسيين والمغاربة.
*  حدّثنا عن نضالك بفدرالية جبهة التحرير الوطني وما سبب تسميتك بـ «موح كليشي»؟
** إلتحقت بالثورة بضاحية كليشي بباريس وعملت تحت إمرة محمد الشريف ميدوني أحد المناضلين المقربين من محمد بوضياف، وفي سنة 1956 أصبحت مسؤولا على منطقة كليشي وهي الكنية التي أطلقت عليّا نسبة إلى المنطقة التي أنشط بها، حيث كلفت من طرف قادة فيدرالية جبهة التحرير الوطني بمتابعة المصاليين الذين كانوا ضد مناضلي جبهة التحرير الوطني.
وفي عام 1957 اخترت كمسؤول على عدة مناطق بشمال باريس وإطارا دائما، مما اضطرني للتخلي عن منصب عملي بأحد مصانع السيارات.
كنت انتقل متخفيا كي لا تكتشف أمري الشرطة الفرنسية التي كانت تلاحق مناضلي جبهة التحرير الوطني بوشاية من المصاليين، ولكن لحسن حظي تم التبليغ عن مكاني وجودي من طرف أحد المصاليين وتمكنت مصالح «الدي.اس.تي» من إلقاء القبض عليا يوم 8 جانفي 1958 منتصف الليل وثلاثين دقيقة بالمقاطعة الرابعة بباريس، حيث تعرضت لتعذيب شديد مدة يومين كاملين ثم نقلت لسجن «فراسن»، أين حكم عليا بالسجن لمدة سنتين، يوم 30 جويلية 1958.
 ومثُلت من جديد في 15 أكتوبر 1958 أمام غرفة الاتهام العاشرة، وصدر في حقي حكم بثلاث سنوات سجن نافذا وبزيادة سنة على الحكم السابق، وذلك بسبب التصريح الذي أدليت به أمام المحكمة، وهو وثيقة حررها قادة الثورة بفرنسا عقب الإعلان عن تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بموافقة لجنة المعتقلين بسجن «فرانس» المكونة من بشير بومعزة وقبايلي موسى والحاج أحمد، وعدد من محامي الجبهة منهم الأستاذ مراد أوصديق وبن عبد الله بن الصمد.
ألّح عليا بوعلام أوصديق على حفظ النص بشكل صارم، وهذا نصه «نحن جزائريون وبحكم هذا الانتماء لم نقم إلا بواجبنا تجاه ثورة شعبنا، وإننا نعتبر أنفسنا بمثابة جنود يكافحون ويعرفون كيف يضحّون من أجل مثلهم العليا، كما نكون جزءا مكملا لجيش التحرير الوطني، ولنا رؤساء وجب طاعتهم والحكومة الجزائرية المؤقتة التي وحدها قادرة على أن تمنح لنا عدالتها.
وبالتالي فنحن نرفض كفاءة المحاكم الفرنسية ونعلن كيفما كان حكمهم علينا، فإننا سنظل مقتنعين بأن قضيتنا ستكلل بالنجاح، لأنها عادلة وتستجيب لحتمية التاريخ، أمام هذه المحكمة وإحياء لذكرى الشهداء الجزائريين الذين ماتوا في سبيل تحرير وطنهم، نقف دقيقة صمت وتأمل، استعدّوا، تحيا الجزائر حرة ومستقلة، تحيا جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، تحيا الجمهورية الجزائرية، تحيا الثورة الجزائرية»، وهنا أنوّه بالدور الكبير للمجاهد مراد طربوش في تنظيم الجالية الجزائرية، بفرنسا، عام 1955 على يد محمد بوضياف.
* من كتب نص الوثيقة؟
** إلتقيت المرحوم حسين آيت أحمد ببني ورتيلان، سنة 1964، فأخبرني بأنه هو من حرر نص الوثيقة رفقة المرحوم محمد بوضياف.
* 17 أكتوبر 1961 مجزرة ارتكبت ضد المهاجرين الجزائريين،حدّثنا عن هذا اليوم المشؤوم ؟.
** أسميها ليلة الدماء والدموع، لا يمكن محوها من ذاكرتي أطلق سراحي، يوم 6 فيفري 1961، فعدت لمواصلة النشاط الثوري بفيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، وخلال معركة باريس كنت مسؤولا للمنطقة الأولى بجنوب باريس.
كنت من بين المنظمين لمظاهرات 17 أكتوبر 1961 السلمية بأمر من قيادة الثورة بعدما قدمت تقارير عن فرض حظر التجول في 6 أكتوبر 1961 من الساعة السابعة مساء إلى غاية الخامسة فجرا بأمر من السفاح محافظ شرطة باريس موريس بابون، وكان رد مسؤولي الفيدرالية عن هذا القرار الجائر بتبليغ المناضلين الذين بلغ عددهم 80 ألف مناضل مهيكلين في صفوفنا، بتنظيم مظاهرات سلمية، يوم 17 أكتوبر، والخروج على الساعة الثامنة ليلا لتكسير حظر التجول.
فخرجنا في مظاهرات سلمية ووقعت المجزرة التي وصفتها بعض الصحف الفرنسية بأنها جريمة ضد الإنسانية، حيث تعرض الجزائريون للقمع الوحشي والقتل برميهم في نهر السين ولم تسلم من الجريمة التلميذة فطيمة بدار حاملة محفظة ألقيت في نهر السين، وهي في عمر الزهور وتبقى هذه الجريمة وصمة عار على جبين الحكومة الفرنسية.
بعد الساعة التاسعة والنصف مساء قامت الشرطة الفرنسية باستفزاز المتظاهرين وأطلقوا الرصاص عليهم دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال، فسقط القتلى والجرحى، وتم رمي عشرات الجزائريين في نهر السين والذين انتشلت جثثهم وهم مكتوفي الأيدي والأرجل بعد أيام من وقوع الجريمة، وهناك عدد كبير من المفقودين الذين أخذوا عنوة في حافلات واقتيدوا إلى مكان مجهول.
وفي 18 أكتوبر 1961 قام التجار بإضراب، وفي اليوم الموالي خرجت النساء وبحسب تصريح منسق تجمع المحامين لجبهة التحرير الوطني مراد أوصديق فإن 327 جزائري أغرقوا في نهر السين.
* متى بدأت معركتك ضد النسيان وتدوين مساهمة الجالية الجزائرية في الثورة بفرنسا ؟
** حصلت على التقاعد سنة 1988، قررت خوض معركة ضد النسيان وإبراز دور الجالية الجزائرية بفرنسا في الثورة مثل إخوانها في الداخل، حيث ساهمت بـ 80 بالمائة من ميزانية الثورة، وهذا ما يتغافل عنه الكثيرون، كما ساهم 400 ألف مناضل في نقل الكفاح إلى عقر دار العدو رغم المخاطر وملاحقات الشرطة الفرنسية لنشاطهم وبمساعدة المصاليين والحركى.
أصدرت كتابين حول مجازر 17 أكتوبر 1961 موثق بالصور والشهادات، وأتنقل للثانويات والمتوسطات والمتاحف، لإلقاء محاضرات حول الموضوع بحكم أنني عايشت كفاح المناضلين بفرنسا وكنت مسؤولا عن مقاطعة كليشي.
عملت مع المرحوم بشير بومعزة في مؤسسة 8 ماي 1945، وساهمت عام 2006 في نقل جثمان الشهيدة فطيمة بدار التي ألقي بها في نهر «السين»، يوم 17 أكتوبر 1961، ودفنت بمسقط رأس والدها ببجاية. وسنويا أخلد ذكراها كي تدرك الأجيال حجم تضحيات جاليتنا بالمهجر.
 في 17 أكتوبر 2017 استلمت ميدالية أحسن مواطن من رئيس بلدية كليشي بباريس الاشتراكي «جيل كاتوار»، وكانت تلك أول مرة يمنح من خلالها هذه الميدالية الذهبية لمواطن جزائري شارك في مقاومة القمع الفرنسي خلال حرب التحرير، ويتنقل في كل مكان ليحاضر في معركة حقيقية ضد النسيان.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18413

العدد18413

الإثنين 23 نوفمبر 2020
العدد 18412

العدد 18412

الأحد 22 نوفمبر 2020
العدد 18411

العدد 18411

السبت 21 نوفمبر 2020
العدد 18410

العدد 18410

الجمعة 20 نوفمبر 2020