قاسمية يسرد من المدية قصّته النّضالية لـ «الشعب»

«شاركت في الثّورة مسبّلا ودحرت الارهاب في العشرية السّوداء»

م ــ أمين عباس

أحمد قاسمية، صاحب 78 سنة من بلدية وزرة بولاية المدية، أحد المسبّلين الذين شاركوا في حرب التحرير الوطني، مشواره ثوري كعضو فعال إبان الثورة التحريرية، أجبر على أداء الخدمة العسكرية عن عمر 19 سنة، بمنطقة بوردو بفرنسا، قائلا أنّه   ناضل طيلة هذه الفترة بفرقة عشيبة بوادي قرقور، بالقسم الأول بالولاية الرابعة.
كل التّفاصيل في هذه الشّهادة الحيّة لـ «الشعب».

العضو في المنظّمة المدنية لجبهة التحرير الوطني، ابن منطقة عشيبة النائية، قال أنّه بعدما جيء به للجزائر، للمرة ثانية أتمّ فترة الخدمة العسكرية بولاية تلمسان، ثم بمنطقة بن ونيف ببشار، مختتما هذه المحطّة من حياته العسكرية بتاريخ 09 / 05 / 1959، ليجد نفسه عضوا بهذه المنظمة ضمن العمل المدني. كان مستأنسا ببندقية رقم 24 لأبيه، والتي تبرّع بها لجبهة التحرير الوطني، وكذا مساهمته كشاب آنذاك بمبلغ مالي للثورة تراوح بين 20 و40 دج شهريا.
قام بجمع الأموال بمعية رفاقه كالمجاهد رحمه الله عبد الرحمان حمايدية وصرفها في شراء الأغذية، الألبسة، الأفرشة وبناء «المخبأ» في دار محمد قاسمية المدعو بلحاج، في شكل إسطبل للغنم.
أوضح عمي أحمد قاسمية في هذا الإطار، «أنّ الفدائيين المتكفّل بهم من طرف المجاهد بن عيسى سهلاوي أطال الله في عمره كانوا يستعملون هذا الإسطبل»، كان محدثنا شاهد عيان عندما أقدمت فرنسا على تهديم حوش المجاهد عمر عوف رحمه الله، بقصف مدفعي كان يتواجد به أربع مجاهدين، من بينهم أحمد شعواطي المدعو فؤاد الأمين الولائي لمنظمة المجاهدين بولاية المدية حاليا، وكذا الشهداء محمد بوغراف، محمد بوسهوة ورابح عوف.
بينما فرّ الباقي، بمن فيهم أحمد شعواطي  إلى الجبل، في حين توجه قاسمية إلى المدية في الظلام، اختفى ليلة واحدة ثم عاد إلى نشاطه المعتاد بتخريب أراضي فلاحية  تابعة للمعمر تنتج الخمور ببلدية وزرة.
علاوة على تكسير أغصان الكروم، وتمّ استعمالها في غلق الطريق الوطني رقم واحد الرابط بين البرواقية والشفة من منتصف الليل إلى غاية الثانية عشر صباحا  من اليوم الموالي بغية ترهيب المستعمر.
غير أنّه تمّ القبض عليه في المخبأ عقب وشاية من قبل المسبّل محمد عقاب، وهذا بعد الضغط عليه ورميه بالرصاص عنوة، حيث استشهد، فيما مكث عمي أحمد ستة أيام تحت العقاب، ثم رمي به في السجن.
واصل قواسمية حديثه قائلا: «عذّبت بكل أنواع الإستنطاق بإستعمال الصابون، الكهرباء، الماء الساخن والضرب مدة سبعة  أيام، علاوة على شتمي بكل الكلمات الرّديئة...إلخ».
وأضاف أنّه طلب منه التّبليغ عن أي معلومة عن المجاهدين مقابل إطلاق سراحه، لكنه رفض كونه كان وفيا لوطنه ولإخوته المجاهدين، الذين كان يعمل معهم في النّشاط الفلاحي.
استطرد هذا المسبّل قائلا: «إنّه رغم كل هذا العذاب لم أتأخّر في مواصلة نضالي مع  المجاهدين، وعملت وقتها كمسبل مع قائد الناحية الأولى للولاية الرابعة عبد القادر قاسمية المدعو صالح، الذي كان مكلفا بتأمين المؤونة للمجاهدين»، إلى حد تلقيبه من طرف الثوار الجزائريين  بـ «أم الجيش».
وأضاف أنّه ألقي القبض على عبد القادر قاسمية بتاريخ 15 / 08 / 1959 بمنطقة الغرارفة ببلدية وزرة من طرف قوات الاحتلال الفرنسي، وتمّ اقتياده إلى مكان تواجد  المجاهدين، إلا أنه أفلت منهم لكن كانت الشهادة حليفته بعد رميه بالرصاص، دون أن يبوح بأي كلمة حول مكان المخبأ ليتم تعيين بدلا عنه المجاهد الطاهر برويلا كقائد عام للناحية الأولى بالولاية الرابعة الذي توفي عام 2000.
وصف المسبل واقعه المعيشي بأنّه جد متردي لأنّ معظم حقوقه باتت مهضومة، على حد قوله، رغم هذا الواقع المؤلم لم يمنعه من مناشدة شباب اليوم كي يكونوا في مستوى تضحيات أجدادهم، وكما كان هو عليه إبان حرب التحرير الوطني، من أجل أن تبقى الجزائر حرة مستقلة، «على أمل أن يكون هذا الجيل أحسن منّا، وبإمكانه أن يقود الجزائر إلى ما هو أحسن»، قال محدثنا. 
وعن أسباب عدم كتابة التاريخ والرسالة التي يود توجيهها للجيل الجديد، قال عمي أحمد: «هناك الكثير من الناس كانوا غير مؤمنين باستقلال الجزائر، فيما كان يجاهد رفقائي  ويقدمون النفس والنفيس لأجل أن تكون البلاد حرة ومستقلة»، مشيرا إلى أنّ ما نعيشه اليوم هو أمر محير للغاية كونه أصبح غريبا في وطنه، على حد تعبيره.
ودعا قواسمية الشباب الصاعد بعدم الإنسياق نحو الأخطاء اتجاه وطنهم، والتصدي إلى  كل محاولات تغليطهم، وغرس في نفوسهم الروح الوطنية والإيمان ببلادهم، معرجا في حديثه على واقع الأسرة الثورية اليوم.
وتطرّق أيضا إلى نضال والده المجاهد بوعمرة، المولود بتاريخ الـ 15 / 05 / 1909، «الذي كان أيضا مسبّلا وثوريا في صفوف جبهة التحرير الوطني، حيث ألقي عليه القبض من طرف المستعمر الفرنسي، وزجّ به في السجن وأصدر ضده حكم بـ 7 سنوات حبسا، ودفع مبلغ مالي قدره أكثر من مليون ونصف سنتيم وقتها كخطية إجبارية.
فضلا على تعذيبه بكل الوسائل، كما أجبر أيضا على الإقامة بسجن البرواقية لمدة عامين، وأنه لحسن الحظ استقلت الجزائر قبل خروجه من السجن، حيث عاش الحرية لمدة 7 سنوات في نعيم الجزائر إلى توفي سنة 1994 «.
وأضاف: «إنّ عائلتي قدّمت الكثير للثورة، بدليل مشاركة كل من إخوتي عبد الرحمان، الصحراوي عائشة زوجة الشهيد صحراوي الصحراوي»، مختتما حديثه قائلا أنّ نشاطه لم  يقتصر في العمل الثوري المدني، بل التحق بصفوف المقاومين خلال العشرية السوداء، حيث حمل السلاح بمعية أبنائه ضد الإرهاب، كما أن ابنه حسين قاسمية تطوع في الجيش الشعبي الوطني من سنة 1996 إلى 1998.
وأضاف: «ابني الثاني إبراهيم الذي تعرض منزله إلى انفجار إرهابي بواسطة قنبلة يدوية ليلة 04 أفريل 2002، وبعد ذلك أجبرته على الإلتحاق بصفوف أعوان الحرس البلدي»،
مطالبا اليوم عبر هذه الورقة الناصعة من تاريخه من السلطات المحلية النظر في وضعيته اليومية ومعاناته الصحية..   .

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18392

العدد18392

الجمعة 30 أكتوير 2020
العدد18391

العدد18391

الثلاثاء 27 أكتوير 2020
العدد18390

العدد18390

الإثنين 26 أكتوير 2020
العدد18389

العدد18389

الأحد 25 أكتوير 2020