جرائـم حـرب ضـد الإنسانيــة ارتكبت في الجزائـر لمؤلفـــه محمـد سكـال:

إبــادة شعــب أعـــزل وشهـــادات تروي بربريــــة الاستعمــــار الفرنسـي

سهام بوعموشة

لم يسبق له مثيل في التاريخ وعدو الذاكرة العفو ونسيان الماضي

سلّط المؤلف محمد سكال في كتابه “باسم الحضارة “جرائم حرب ضد الإنسانية ارتكبت في الجزائر من 1830 إلى 1962”، الصادر سنة 2015 عن دار القصبة الضوء على جرائم فرنسا الاستعمارية، منذ احتلالها الجزائر إلى غاية الاستقلال، مستدلا في ذلك  بشهادات منقولة عن المؤلفات الفرنسية المختلفة والمتعلقة بوقائع غزو الجزائر وأحداث حرب التحرير، وهي شهادات تروي بربرية سلوك المتحضرين ووحشية الإجرام والقمع المسلّط  من طرف دولة لطالما تغنّت بحقوق الإنسان، على أمة مسالمة لا تطمح سوى إلى العيش الكريم، قال المؤلف.
في هذا الصدد، أشار سكال إلى أنه من خلال هذه الشهادات، سنكشف كيف جرد الجزائريون من جميع ممتلكاتهم لصالح أقلية أوروبية قدمت من آفاق مختلفة، لتعيد الشعب الجزائري إلى العصر الحجري البائد، من خلال الاطلاع على نصوص قانونية سافلة أعدت خصيصا لأحكام القبضة الاستعمارية على الجزائر، وهو ما اصطلح على تسميته بقانون الأهالي، وحرصا على الحياد، فإنه تناول مؤلفات ومصادر من تأليف الفرنسيين أنفسهم، وهي شهادات نشر أغلبها في مجلات وصحف فرنسية.
وحسب سكال فإن، ألد أعداء الذاكرة يكمن في العفو ونسيان الماضي، على غرار ما صرّح به هيلي سان مارك أثناء تتوجيه بجبهة نوجونت يوم 29 مارس 2009، إذ قال :«الماضي ينير درب الحاضر والحاضر يتضمن أساس المستقبل...كيف ستكون الحال سيعيش رجل بدون ذاكرة، إنه كمثل رجل يمشي في الظلام، فكيف ستكون الحال بالنسبة لشعب فاقد الذاكرة إذن؟ بالتأكيد لن يكون مستقبل مستنير المعالم، والرجال الحقيقيين الذين سيصلقون هذا المستقبل هم ممن يمتلكون مقاليد الذاكرة الوافية”.
وأكد أن القمع المسلط على الجزائريين لم يسبق له مثيل في التاريخ، ولا يمكن نعته إلا بالنظام النازي الخارق للعادة، لأن قوات الاحتلال وظفت كل الأساليب النازية وأكثر وأبدعت فيها أيما إبداع بمباركة هرم السلطة.
في هذا السياق، استعرض صاحب الكتاب جملة من المجازر المرتكبة في حقّ الجزائريين ومصادرة أراضيهم، بحيث دمرت آلاف القرى ثم أحرقت وحولت إلى ركام وبعد أن جرد السكان من جميع ممتلكاتهم وأراضيهم أبيدوا بالجملة، وكانت مجزرة قبيلة العوفية أكثر شاهد على همجية جنرالات فرنسا وتعطشهم لسفك الدماء، بحيث يروي بيليسي في مؤلفه “حوليات الجزائر” المجازر التي ارتكبها الدوق روفيغو خاصة على قبيلة العوفية، حين تسلّل ليلا رفقة قوافل من جنده وهجموا على القبيلة فذبحوا وقتلوا ونكلوا بأفرادها دون تمييز للجنس أو السن وأبيد الجميع بكل برودة دم، دون أن يتمكن هؤلاء المساكين من الدفاع عن أنفسهم، وانسحب الجند قبل طلوع الفجر محملين بكل ما خفّ وزنه.
ولدى عودتهم من هذه المهمة المشؤومة، كان الفرسان يحملون رؤوس الضحايا فوق رماحهم، وفي اليوم الموالي وجدت مجوهرات القبيلة معروضة للبيع في سوق باب عزون بالجزائر، كما يروي “سانت أرنو” كيف رحل بقوة السلاح سكان قرية “القنطرة” لكي يضع جنوده في مأمن، وذكر في رسالة” في حدود الساعة السادسة مساء قمت بإيواء 1500 رجل من جنود المدفعية والفرسان والمشاة داخل المنازل، وكانت الليلة قاسية بالنسبة للذين كانوا في الخارج،... هناك العديد من الجثث المكدسة فوق بعضها تجمدت أثناء الليل إنهم سكان بني منصور المساكين هؤلاء الذين أحرقت أكواخهم وطردناهم من منازلهم فوجدناهم أمامنا جثث هامدة”، يضيف السفاح أرنو.
زيادة على مجزرة الأغواط، البليدة، قسنطينة، الولجة، وغيرها وتشير التقارير الفرنسية إلى جريمة أخرى ارتكبها الفرنسيون وهي نبش الأضرحة والقبور وانتهاك حرمات المنازل، وجريمة اغتصاب الأراضي باستعمال الدين، بحيث كانت الأراضي الفلاحية في الجزائر قبل الاحتلال تصنف أراضي البايلك خاضعة لإدارة الداي والباي، أراضي الحبوس تابعة للجاليات الدينية مصدرها التبرع والهبات من طرف الخواص أو المنظمات الخيرية لصالح المساجد واستغلال ايرادتها في المنفعة العامة وصيانة المساجد، وأراضي الملك تملكها العائلات غير قابلة للتجزئة تستغل في زراعة الخضر وتربية المواشي.
الجزائر المستعمرة الوحيدة التي خضعت لاستعمار استيطاني
خلص المؤلف إلى أنه من بين كل المستعمرات الفرنسية، كانت الجزائر المستعمرة الوحيدة التي خضعت لاستعمار استيطاني ركز على الأرض واستثنت الإنسان، قائلا: “خلافا لما صرّح به قائد الحملة ديبرمون عندما حل غازيا الجزائر على رأس أرمادة عسكرية، إذ كان يدعي أنه جاء لتحرير الجزائريين من نير الاحتلال التركي وإعادة الأراضي لمالكيها لكن ما حدث العكس”.
وأضاف سكال أن نية الاستعمار لم تكن الاستيلاء على ثروات البلاد فحسب، فقد استخدمت كل الوسائل الأكثر وحشية، وأولى انجازات الاحتلال تجسدت في أكبر عملية سطو من خلال نهب الخزينة العمومية لإيالة الجزائر بالقصبة، ثم اتسعت هذه الممارسات لتطال مختلف ثروات المدن الجزائرية، مما أتاح للجنرالات والمارشالات أن يكونوا ثروات فاحشة من هذه الغنائم.
في هذا الشأن أشار إلى أن الغارات استهدفت بشكل تلقائي إبادة القبائل واغتصاب الممتلكات فأخليت المطامير من مخزون الحبوب وبيعت الأشياء الثمينة في السوق وكان الأحياء يعاملون كالعبيد في سوق النخاسة، وخير مثال يشهده التاريخ هي الإبادة التي اقترفها الجنرال روفيغو في حقّ قبيلة العوفية بالحراش، والمحارق التي يفتخر بإنجازها العقيد بيليسي ومساعده كافينياك، وعمليات الحصار التي اشتهر بتدبيرها سانت أرنو وزكاها الجنرال بوجو لتكون أمثلة يقتدى بها.
سعيا لإغراق السكان في البؤس وحرمانهم من الغذاء قال سكال - عمدت قوات الاحتلال إلى حرق المحاصيل الزراعية واقتلاع الأشجار المثمرة ونهب الماشية، وبيعها في سوق النخاسة وكانت كل الذرائع صالحة لاغتصاب أراضي الجزائريين وإعادة توزيعها على المستوطنين الهجناء القادمين من آفاق أوروبية مختلفة، ولم تسلم حتى المساجد والمدارس من عمليات الهدم ليتم بذلك حرمان الأطفال من نور العلم، مستشهدا بمقولة ألكس توكفيل بهذا الشأن:
«لقد جعلنا المجتمع المسلم أكثر بؤسا وهمجية وأكثر جهلا وأكثر وحشية مما كان عليه في السابق قبل مجيئنا”.
وأضاف: “من ذا الذي يجحد أو يعترض على مصطلح “الإبادة الممنهجة” التي قامت بتنفيذها أكبر قوة عسكرية في تلك الحقبة بمباركة السلطات العمومية، كما أن الإجابة التي قدمها آنذاك رئيس مجلس الحكومة المارشال سولت أثناء نقاش البرلمان حول قضية المحارق هي أكبر دليل على تواطؤ الدولة، والأعمال الشنيعة التي قام بها العقيد بيليسي وظلّ يحظى بتقدير الساسة.
لتبرير أطروحة التفوق العرقي وظّف المستوطنون العلوم الطبية وبشكل خاص الطب العقلي، للبرهنة على أن الفرد الجزائري كائن يفتقر إلى التجعدات الأمامية للمخ على غرار الإنسان البدائي، واستخدم الدين لتدعيم الأطروحات العنصرية، إذ تجسدت في شكل فتاوى صادرة عن رجال الدين المسيحيين على غرار ما عوّم له الزنوج والأسيويين على أنهم بدائيون يعيشون من الصيد بحكم لون بشرتهم.
في هذا السياق، أوضح المؤلف أنه منذ مطلع سنة 1870 أصبح الجزائريون يخضعون لأحكام قانون جائر جسده “قانون الانديجينا” أعد خصيصا للسيطرة على حياة الأهالي، بحيث حدّد سلسلة من المخالفات تحت طائلة العقاب تذهب إلى حد السجن، وبعد مجزرة سطيف، قالمة وخراطة بدت آفاق الحوار مع المحتل مسدودة تماما ولم يكن سوى اللجوء إلى الكفاح المسلح من أجل استرجاع السيادة الوطنية المسلوبة، مؤكدا أن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة غير قابلة للتقادم.
ويتساءل عن المفارقة العجيبة حين نرى دولة حقوق الإنسان تصفح عن المجرمين وتمنحهم أعلى الأوسمة والتشريفات، وتكافئ البعض عنة خدماته الجليلة بالتعيين في مناصب سامية، قائلا: “فرنسا تطالب من تركيا الاعتراف بإبادة الأرمن وتقدم ذلك شرطا لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى العكس ذلك تطالب الجزائريين بعدم اجترار الماضي الاستعماري يا له من منطق؟. مضيفا أنه على فرنسا أن تكون لها الشجاعة الكاملة للاعتراف باسمها الرسمي بأن الشعب الجزائري قد تعرّض طيلة سنوات الاحتلال إلى الاضطهاد والتعذيب والإبادة والمحارق والاغتصاب، فعندما يحل ذلك اليوم ستهدأ النفوس بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وعندئذ ستفتح آفاق جديدة للتعاون والتآخي بين الشعبين وتطوى صفحة الماضي دون تمزيقها، قال المؤلف سكال.

الكاتــب فــي سطــور
محمد سكال من مواليد 1944 بوزان المغرب، حائز على شهادة الدكتوراه في الطب ثم تخصص في جراحة أمراض المسالك البولية، أستاذ مساعد في الجامعة الجزائر لغاية 1988، غادر الجزائر خلال العشرية السوداء وحضر شهادة ديبلوم الدراسات المعمقة في قانون الطب، وخلال تواجده بفرنسا طالع وأعاد النظر في الأطروحات التاريخية الاستعمارية محاولة منه لتخليص تاريخنا من الاستعمار.



 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018