صالح لغرور يكشف لـ « الشعب» عن جوانب خفية للشهيد عباس

رفض كل أنواع الظلم وتسلّط الإدارة الاستعمارية وأغتيل في ظروف لا تزال غامضة

أجرت الحوار: سهام بوعموشة

كان مدركا لظلم الاستعمار منذ حداثة سنه، تعدى حسه الوطني الحدود الاقليمية وحتى الوطنية، كان عباس يظهر الكثير من الإهتمام  بكل النشاطات السياسية والإجتماعية في المدينة، حيث كان يرتاد نشاطات ولقاءات حزب الشعب الجزائري، وجمعية العلماء المسلمين، كان رجل ميدان انضم الى حزب الشعب الجزائري عام 1944، وعين مسؤولا في خلية المدينة نظرا لجديته في أواخر الأربعينيات، فقد تمكن من خلق خلية طلابية وقام بتحسيس فئة التجار والعمال الصغار وبعض الفلاحين، وجسّ نبض الشعب لمعرفة الأكثر استعدادا منهم لخوض هذه الثورة، هذا ما أكده شقيقه صالح لغرور في حديث خصّ به جريدة «الشعب» ننشر الجزء الأول منه .

- «الشعب»: بداية حدّثنا عن نشأة الشهيد عباس لغرور، وبيئته وكيف انتقل للكفاح المسلح؟
 صالح لغرور: كنت في السابعة من العمر عند اندلاع الثورة، حينذاك كنت قد أنهيت عامي الدراسي الابتدائي الأول، وبعد أن انقضى شهرين من العام الدراسي الثاني (1954-1955) اندلعت حرب التحرير وبدأت ذاكرتي تحتفظ ببعض الصور التي لن تمحى، مازالت لدي بعض الذكريات عن أخي «عباس» فقد كان قوي البنية، طويل القامة، حسن المظهر والهندام، يخفي ابتسامة نادرة وراء شاربه الأسود الرفيع، شعره كان ممشوطا دائما إلى الخلف، لم يكن من النوع الثرثار فقد كان قليل الكلام غالبا ما أراه مطأطئ الرأس يبدو كأنه دائم التفكير.
كان يبدي اهتماما كبيرا بدراستي، يقدم لي التوجيهات بشكل منتظم ودائم، كما كان يحرص على نظافتي وحسن تغذيتي وفي كثير من الأحيان يقدم لي قطعة نقدية لشراء الحمص أو الفول المملح الذي كان يباع بالقرب من المدرسة آنذاك، كثيرا ما كنت أراه جالسا في دكان أحد المعارف يدعى»السوفي»، وفي بعض الأحيان يشتري لي حفنة من التمر ويضعها في جيب مئزري، ومن شدة نظافتي بفضل شقيقتي عائشة التي كانت تعيش معنا في البلدة، تلقيت مرة من مدير المدرسة السيد «فيري» قطعة نقدية «دورو».
أتذكر أن عباس كان يشتغل بمحل يقع داخل رواق منزلنا، على شكل سقف من حديد فيه القليل من السلع المعروضة، كان عباس متزوجا من ابنة عمته وله ثلاثة أطفال، شريفة ولدت في سنة 1949 وتوفيت في سنتها الأولى، وحسينة المولودة سنة 1951 وطارق المولود في 1953، عاشت عائلتنا من النشاط الفلاحي وتربية المواشي، فقد كان والدنا يؤجر أراضي للرعي لتغذية مواشيه في فصل الشتاء، جنوب خنشلة وبالعكس يأتي الرحل من الصحراء في فصل الصيف للإصطياف والعمل عندنا بضواحي خنشلة. ولد عباس بتاريخ 23 جوان 1926 وهي سنة انشاء حزب نجم شمال إفريقيا، سجله والدي عند  ضابط الحالة المدنية آنذاك «لونزال جورج» بدوار انسيغة أو قبيلة أنسيغة وهو بالتحديد دوار يقع على بعد بضعة كيلومترات من مدينة خنشلة، من عادة الأجداد والأسلاف في ذلك الوقت تسمية أسماء عباس، شعبان أو عمار لأن التقاليد تتطلب استخدام هذه الأسماء مرارا وتكرارا بإعطاء اسم الأب أو الجد للإبن أو اسم الأم أو الجدة للبنت، وبالتالي فإن سلسلة الملكية العائلية كانت مصانة في الذاكرة الجماعية لهذا المجتمع القبلي المتماسك.
زاول عباس الدروس الإبتدائية بمدرسة الأهالي ( مدرسة مخصصة للسكان الأصليين) للمدينة، في أوائل عام 1933، وواصل تمدرسه حتى حصوله على شهادة التعليم الابتدائي وموازاة مع ذلك تابع تعليمه الديني واللغة العربية بالمدرسة القرآنية، كان تلميذا يقظا قليل الكلام نادرا ما تسمع صوته وعندما يتكلم يطرح دائما أسئلة مباشرة، غالبا ما تضع الطرف الآخر في موضع إحراج للإجابة، هذا ما تضمنته شهادات بعض زملائه من نفس العمر ومن نفس القسم وهم شرفي عبد الحميد، ودمان، دغبوش كمال كان ذلك في أواخر عام 1930.
طرد عباس من المدرسة بسبب حادث وقع له مع أستاذه، في أحد الأيام كان أستاذه يلعب التنس في الملعب المتواجد على بعد عشرات الأمتار من منزل العائلة، وهنا طلب الأستاذ من عباس أن يلتقط الكرات، إلا أن هذا الأخير رفض ذلك فأندلعت مشاداة كلامية بينهما، وانتقاما من عباس أخبره المعلم بأنه لم يعد باستطاعته الدخول الى المدرسة، إلا إذا اعتذر بحضور والده معه، لكن عباس طلب من والدي عدم الذهاب إلى هناك ،لأنه لا يرى سببا في  الاعتذار للمعلم، وهو شكل من أشكال الرضوخ للظالم، وكان ذلك شكل من أشكال التمرد. انخرط في صفوف الحركة الوطنية وعمره لم يتجاوز 18 عاما.
 أشير هنا إلى أن الذاكرة الجماعية للأوراس على وجه الخصوص، كانت غنية بسير أولئك الذين يسمون بمتمردي الشرف والذين أصبحوا فيما بعد المقاتلين الأوائل في صفوف الثورة الجزائرية بما قدموه من خبرات ميدانية، منهم محند أوشنتة لغرور الذي شارك في انتفاضة جبال الأوراس سنة 1916، وعبد الحفيظ الذي نفي سنة 1940 لرفضه الخدمة العسكرية.
نشأ عباس وترعرع في جو من التمرد، كان يرفض كل أنواع الظلم والتسلط المستمر من طرف النظام الاستعماري، مما دفعه لأن يكون شديد الحساسية تجاه أي شكل من أشكال الظلم حتى على المستوى العائلي، وهنا أتذكر موقفه الشجاع المؤيد  لشقيقته التي رفضت أن تتزوج ابن عمها، مثلما تقتضي العادات والتقاليد بالمنطقة، واستطاع إقناع والدي بعدم تزوجيها لإبن عمها، وهذا أمر نادر الحدوث في ذلك الوقت.
عباس كان مدركا لظلم الاستعمار منذ حداثة سنه، ابتداء من الثورات المستمرة في الأوراس سنوات 1871 و1916 ومجازر 8 ماي 1945، كلها أمور نمت بداخله وبداخل شباب جيله للانتفاض ضد النظام الاستعماري، بسبب الواقع المرير المعاش آنذاك، كما أن كلمة «تحرير» المستخدمة في ذلك الوقت من قبل الصحافة والإذاعة الفرنسية بعد الانتصار على الألمان وتحرير باريس، أدت إلى تفتح عقله وشحذ ضميره.
بحسب شهادة سالم بوبكر فقد شارك عباس، رفقة مجموعة من المناضلين في مظاهرات 8 ماي 1945 نظمت في مدينة خنشلة، أين تم رفع العلم الجزائري لأول مرة من طرف تيجاني عثماني، الذي مرره إلى عباس ومنه الى مرير ثم الى كشرود فبن عباس غزالي خوفا من أن يقع في أيدي الشرطة الفرنسية، هؤلاء استشهدوا جميعا في ميدان الشرف، وهم من شكلوا النواة التي أشعلت فتيل ثورة أول نوفمبر 1954 في هذه المنطقة، بحيث لم يتم تداول هذه المظاهرات إعلاميا.
- كيف التحق الشهيد عباس لغرور بالنضال العسكري؟
 بالرغم من أن عباس كان يعيش في أعماق جبال الأوراس النمامشة، بعيدا عن الدوائر السياسية ومختلف التفاعلات التي كانت حكرا على المدن الكبرى، إلا أن فطنته وفضوله منذ حداثة سنه، كما كان يستمع للراديو والذهاب الى السينما وقراءة كل ما تقع عليه عيناه كل هذا مكنه من تشكيل رؤية واضحة،  إلى حد ما عن واقع الاستعمار في الجزائر، وعن الوضع السائد في العالم آنذاك رؤيته للأحداث وحسه الوطني تعدى الحدود الاقليمية وحتى الوطنية.
لقد كان منزلنا في الدوار نقطة عبور وتوقف الحجاج، القادمين سيرا على الأقدام من المغرب ومن مناطق أخرى من الجزائر، والقاصدين مكة أو العائدين منها وحتى بعض المتطوعين للجهاد في فلسطين سنة 1948، كل هؤلاء الذين كانوا ينقلون أخبارا مختلفة عن أحداث الحرب في المشرق، وكان الوالد يعرف شغف عباس وحبه لمعرفة جديد الأخبار في العالم، لذلك كان يدعوه للاستماع لآخر المستجدات التي يأتي بها الحجاج من هنا وهناك، وهكذا أصبح ملما بما كان يحدث في تلك الحقبة من الزمن.
بالمقابل، بعض الأقارب الذين عادوا من جبهة القتال بعد الحرب العالمية الثانية نقلوا له معاناتهم والظروف القاسية التي عاشها المجندون جبرا في هذه الحرب، وكيف مات الكثير منهم أثناء القتال لكي تنتصر فرنسا على الألمان، هذا الزخم من الأحداث والعلاقات ساهم في أن تكون لديه رؤية عامة للأوضاع تتعدى البعد الوطني، وزاد وعيه وثقافته وأيقظ في نفسه شعورا بالمظالم التي كانت تعاني منها الشعوب المستضعفة، رغم عيشه في مدينة منعزلة.
عندما قرر عباس الخوض في الحياة المهنية نجح في الحصول على منصب عمل، عند حاكم البلدية المختلطة في مدينته، أولا بصفة حاجب عند الحاكم فكانت مهمته توزيع البريد واستقبال الزوار القادمين لمقابلة حاكم المدينة، ثم عمل كطباخ لدى نفس الحاكم، وقد سمح له وضعه هذا بأن يشاهد عن كثب ومن الداخل حقيقة النظام السائد في هذه البلدة، ويدرك مدى الظلم واللامساواة في المعاملة ومستوى المعيشة بين الجزائريين والأوروبيين.
...يتبع 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018
العدد 17745

العدد 17745

الجمعة 14 سبتمبر 2018