«الشعب» تستطلع آراء الطبقة السياسية

هدف الأحزاب لا يمكن أن ينحصر في مقاعد البرلمان وحقائب الحكومة

زهراء. ب

تنتظر عدة أحزاب، اليوم، والجزائر تواصل مسعى التغيير، في ثالث محطة تتعلق بتعديل النظام انتخابي، وضع قانون يلغي الإقصاء، يوضح بدقة دور الإدارة والمجالس المنتخبة ويضع حدا لتغول المال الفاسد وينهي التجوال السياسي.
يتفق الكثير من السياسيين، على أن الساحة السياسية بحاجة اليوم، إلى «عملية تطهير» واسعة وشاملة من ممارسات وآليات عمل، غيرت مبادئ العمل الحزبي والإداري وأخرجتها من سياقها بفعل سلوكات أفراد وجماعات، اتخذوا من الإدارات والمجالس المنتخبة وسيلة للتسلط وتحقيق مآربهم الشخصية على ظهر الشعب، رغم أن مهمتهم الأساسية هي خدمته وتحسين ظروف معيشته عن طريق تقديم خدمات وتنفيذ مشاريع تنموية خصصت لها خزينة الدولة ملايير الدينارات، وبدل أن يستفيد منها حولت إلى جيوب وأرصدة مالية للطامعين.

خليف: خطوات ثابتة نحو الديمقراطية

ارتفعت أصوات الشعب الجزائري في الحراك تنادي بتغيير قوانين ساهمت في بقاء «زمرة» حاولت مصادرة حقه، وارتفعت معها أصوات أحزاب من بينها الجبهة الوطنية للعدالة الاجتماعية، تطالب هي الأخرى بإعادة النظر في قانوني الانتخابات والأحزاب، بعد أول محطة انتخابية لرئاسيات 2019/12/12 واستفتاء تعديل الدستور في 1 نوفمبر 2020.
وقال رضوان خليف رئيس جبهة العدالة الاجتماعية لـ»الشعب»، إن «الجزائر منذ ذلك التاريخ وهي تمشي بخطوات صغيرة ولكن ثابتة نحو الديمقراطية والتغيير وتلبية مطالب كل شرائح الشعب الجزائري».
وينتظر في المحطة الثالثة الذهاب إلى انتخاب المجالس البرلمانية والمحلية، وهي أهم حلقة وصل بين الدولة والمواطن في حياته اليومية العادية، وهذا لا يمكن تجسيده دون الذهاب إلى صندوق شفاف يفرز نتائج حقيقية ونزيهة وممثلين حقيقيين للشعب الجزائري.
وللذهاب إلى الصندوق المنصف، يرى خليف ضرورة إعداد قانون انتخابات يواكب تطورات الساحة السياسة والمطالب الشعبية اليومية، وحتى النزاهة المرجوة من طرف المواطن.
وسجل خليف وجود عدة ثغرات في قانون الانتخابات السابق، بحكم أن جبهة العدالة الاجتماعية موجودة في الساحة السياسية منذ 2012، وخاضت عدة تجارب انتخابية، من بينها نسبة 4٪ التي رآها أنها «تقصي الكثير من الشباب والطاقات».
ويرى العديد من السياسيين ضرورة العودة إلى العمل بالقائمة المفتوحة في الانتخابات، فهي تسمح، مثلما ذكر خليف، «للمواطن إذا كان مترشحا بالنجاح ولو كان في المرتبة 15، وإذا كان ناخبا لا تلزمه بالتصويت على شخص يتصدر القائمة وهو غير مرغوب فيه».
كما تسمح هذه الآلية «بمحاربة المال في السياسة، لأن الكثير من المترشحين، بحسبه، يشترون المكان الأول والثاني في القائمة الانتخابية للفوز على حساب المناضلين النزهاء، وتقضي كذلك على التجوال السياسي لأن الكثير ممن يشترون أماكنهم في القوائم بعد الفوز يذهبون إلى الأحزاب الكبيرة الشائعة حتى يكون لهم تمثيل قوي وينتمون إلى كتلة قوية في البرلمان، وهذا يحدث خللا في التوازن السياسي، بحكم أنهم ممثلون للشعب ويشكلون منصة التواصل بين الدولة والمواطن الجزائري ويشرّعون قوانين الدولة الجزائرية، وتلك التي تهم المواطن».
ويأمل رئيس جبهة العدالة الاجتماعية أن يفتح قانون الانتخابات المقبل المجال أمام الجميع، ولكن بالمقابل يسن إجراءات عقابية صارمة ضد من تسول له نفسه المتاجرة بالغطاء السياسي أو بالقوائم الانتخابية من أجل أغراض خاصة أو نوايا خبيثة تستطيع أن تمس بالمواطن بطريقة غير مباشرة.
وبات هذا القانون له وللعديد من الأحزاب سياسية «مهمّا»، لتصفية النسيج السياسي القائم اليوم، عبر تفعيل كل التعليمات اللازمة، مشيرا إلى أن الكثير من الأحزاب لم تعقد مؤتمراتها الانتخابية منذ إنشائها ولا دورات مجالسها العادية، بل وأكثر من ذلك لم تحترم القوانين الموضوعة من قبل وزارة الداخلية في تسيير الحزب كإيداع الحسابات المالية.
وتسبب هذا الخلل، بحسب خليف، في ابتعاد الممارسة السياسية اليوم، عن المرغوب منها، ما يفرض أخلقة العمل السياسي وتفهم الأحزاب أنها في خدمة المواطن، لاسترجاع ثقته وتبليغ رسالته وتحضير جيل صاعد في ظل المخاطر التي تحيط بالجزائر. فالحفاظ على الوطن يقتضي انخراط الجميع في أي عملية تكون لصالح الجزائر والشعب الجزائري، وقانون الانتخابات من المحطات الهامة، لكل استفتاء أو انتخاب.
ورافع المتحدث لإشراك الشباب في الحياة السياسية، بل وفي جميع المجالات الأخرى، ولا يجب أن يكون إشراكهم مجرد شعارات، فهم -كما قال- «قطع الغيار الأساسية التي يسير بها محرك الجزائر الجديدة، وعلى الأحزاب السياسية والإدارة معا، أن يقفا ضد منطق الإقصاء، من خلال وضع مكانيزمات واضحة للذهاب لصندوق يجسد الشفافية ويفرز نتائج حقيقية تتوافق مع رغبات المواطن»، ما يسمح باستعادة ثقة الشباب ويكون الصندوق في هذه الحالة المنصف وليس المقصي.
وشدد خليف على ضرورة نزع الإقصاء من القاموس السياسي، وإبقاء الصراع في الحلبة السياسية ويكون بالبرامج ومبنيا على الأخلاق، ولا تذهب الأحزاب إلى زعزعة استقرار الشباب في الشارع، بل عليها وضع برامج تستقطب الشاب الجزائري، وتخصيص له هامش كبير في القوائم الانتخابية، ولكن دون إقصاء لمن هم موجودون في الساحة السياسية، لأن الصندوق هو من يمنح كلمته وهو من يختار المنتخبين الذين يتولون المناصب وفق معيار الكفاءات.
وينتظر بعد تعديل النظام الانتخابي، من الأحزاب السياسية أن تكون شريكا سياسيا فعالا في الساحة على المدى الطويل، ولا تحصر هدفها في الحصول على مقعد في البرلمان أو في حقيبة سياسية، بل يجب أن تكون شريكا فعالا في السياسة الداخلية والخارجية وبناء جزائر صامدة على مدى العقود.

عماري: محاربة المال السياسي مطلب ملح

لا تختلف نظرة جبهة التحرير الوطني، الحزب العتيد الذي عاصر كل مراحل الأنظمة الحاكمة في الجزائر، عن التشكيلات السياسية الأخرى، بخصوص المنتظر والمأمول من قوانين الإصلاح الشامل الذي أطلقها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تنفيذا لالتزاماته ووعود كان قطعها على الشعب الجزائري من أجل بناء جزائر جديدة تحدث القطيعة مع ممارسات استخدمت الديمقراطية لضرب النظام العام والقضاء على مؤسسات الدولة، فدور القانون في الدول الديمقراطية هو تكريس الديمقراطية وليس مصادرتها أو تقييدها.
وفي انتظار أن تكشف اللجنة التي نصبها رئيس الجمهورية يوم 19 سبتمبر عن مقترحاتها بشأن مراجعة النظام الانتخابي، في ضوء التوجيهات التي أسداها رئيس الجمهورية، يتطلع «الأفلان»، بحسب القيادي محمد عماري، في تصريحه لـ»الشعب»، إلى كل الإجراءات التي تكفل محاربة المال السياسي الفاسد وفصل المال عن السياسة، الذي كان الأفلان أكبر المتضررين منه، على حد قوله، وكذا تمكين الكفاءات والشباب من العبور إلى المجالس القادمة، من خلال تخصيص مكانة محترمة لهم في القوائم الانتخابية.
وبغض النظر عن الإجراءات التي يتضمنها قانون الانتخابات الجديد، إذا كان سيحافظ على القائمة النسبية، مع التشديد في قضية المستوى الجامعي، أم العودة إلى نظام الدوائر الانتخابية، أي كل دائرة تقدم قائمتها الانتخابية، فإن الحزب العتيد يتمسك بأهم مقترح ومطلب وهو فصل المال عن السياسة وإعادة الاعتبارات للكفاءات والشباب، وتمكين النخب في مختلف التخصصات من تولي تسيير المجالس القادمة، بسن إجراء يكفل للكفاءات المشاركة في المجالس المنتخبة ومحاربة المال السياسي.
خوجة: تغيير الممارسات في الميدان
ينتظر القيادي في حزب تجمع أمل الجزائر «تاج» محمد خوجة، من قانون الانتخابات المقبل، استدراك الأخطاء المسجلة من طرف الأحزاب السياسية والإدارة فيما يتعلق بالممارسات في الميدان.
وعلى ضوء الإجراءات الجديدة، ستسند للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مهمة تحضير وتنظيم وتسيير الانتخابات وعمليات الاستفتاء والإشراف عليها وتمارس مهامها في شفافية وحياد وعدم تحيز، حتى تكون النتائج نزيهة وشفافة، وهذا بالنسبة لخوجة «مكسب كبير» بحاجة إلى تدعيم من قبل الأحزاب بتغيير ممارساتها في الميدان، مثلا فيما يتعلق بالحملة الانتخابية، يجب أن تلتزم الأحزاب بتحسين نوعية المترشحين بفتح الأبواب للشباب والمرأة وكل فئات المجتمع، حتى يفرز الصندوق كفاءات قوية تتولى تسيير المجالس المنتخبة.
كما يجب أن تكون الحملة الانتخابية للأحزاب واضحة، لأن الكثير من المترشحين، مثلما ذكر خوجة، «يطرحون برامج ثم لا يلتزمون بها»، وعلى كل حزب أن يفرق بين برنامجه الوطني وذاك الخاص بالمترشحين لتولي مناصب نيابية في المجالس المحلية أو الوطنية»، من المفروض أن تتقيد كل قائمة تترشح وتفوز ببرنامجها ووعودها.
ويستدعي أخلقة العمل السياسي، في نظر خوجة، وضع شبه ميثاق أو اتفاق بين الأحزاب السياسية، حتى يسود الاحترام بين الجميع، وتكون هذه الانتخابات فرصة للأحزاب والمجتمع الجزائري لاستدراك كل الأخطاء التي وقعت في الماضي، منها حسن اختيار المترشحين، الالتزام بالوعود الانتخابية، قيام المنتخبين بواجباتهم وعدم النظر للمواطن على أنه رقم أو صوت، تقطع العلاقة معه مدة 5 سنوات وتعود حينما يحين موعد أي استحقاق انتخابي، فهذه الظاهرة يجب القضاء عليها، ببقاء المنتخب في الميدان والتواصل بشكل دائم مع المواطنين طيلة العهدة الانتخابية.
وحتى تؤدي المجالس المنتخبة مهامها، يجب أن تتولى، بحسب خوجة، تنفيذ مشاريع تنموية وإعداد قوانين مالية تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الجزائر والمواطن، وعليها وضع نظرة استشرافية وتكون قوة اقتراح ومرافقة للإدارة في معالجة المشاكل المطروحة في الميدان، من خلال فرض المشاريع وخطة تنموية تتكيف مع احتياجات ومتطلبات المواطنين وتحسن ظروفهم المعيشية، وهذا ما يسمح باسترجاع ثقة المواطنين في المنتخبين وفي الإدارة الجزائرية.
وفي هذا السياق، شدد خوجة على ضرورة توضيح أدوار الإدارة في المجالس المنتخبة، ودور المنتخبين في تأدية مهامها، فلا يعقل - كما قال - «منح كل الصلاحيات لرئيس البلدية، وحينما يتعلق الأمر بالوسائل يبقى مرتبطا بقرارات رئيس دائرة، لذلك يجب إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19468

العدد 19468

الأحد 12 ماي 2024
العدد 19467

العدد 19467

الأحد 12 ماي 2024
العدد 19466

العدد 19466

الجمعة 10 ماي 2024
العدد 19465

العدد 19465

الأربعاء 08 ماي 2024