تعود ذكرى استرجاع السيادة الوطنية ويتجدد العهد مع الشهداء الأبرار الذين أدوا المهمة كاملة، ويستحقون في مثل هذه المواعيد المفصلية من تاريخ الجزائر وقفة للترحم والعرفان ولرفاقهم من المجاهدين المخلصين التبجيل والتقدير لما قدموه لننعم جيلا بعد جيل بالحرية. إنها الحرية بالمفهوم الدقيق والمضمون الحقيقي فقد كان الجزائري البسيط يتطلع لها بأي ثمن بعد أن اشتد عدوان الاستدمار وضاقت السبل طيلة أكثر من قرن من الاحتلال الفرنسي الغاشم. نعم حرية العيش، حرية الكلمة حرية التنقل، كرامة المسكن مهما كان بسيطا، شرف الإنسان وكافة الجوانب المتعلقة بالحرية التي ينعم بها المواطن اليوم والتي تتجاوز بكثير يوميات العيش في ظل نقائص هنا ومتاعب هناك لا يمكن بأي شكل من الأشكال القياس عليها أو ربطها بالقيمة الإنسانية والمواطنة للمفهوم الصحيح للحرية. حقيقة تمثل حرية الشعب الجزائر وشعبها الوديعة الغالية التي تتوارثها الأجيال على اختلاف القناعات وتنوع التوجهات، فلا تقبل إطلاقا مقايضة أو عرضها لنقاش مهما كانت التغيرات التي يمر بها المجتمع. فهي القاسم المشترك والرصيد الصافي في كل الأوقات بل تتحول في الظروف الحرجة والصعبة إلى مصدر امتلاك القوة وتجدد الإرادة وشحذ الهمم لمواجهة التحدّيات. إن الخامس جويلية تماما مثل أول نوفمبر وكل الماضي الوطني أعلى بكثير من الخلافات وتعدد الرؤى وأحيانا الخصومات الحزبية، فكان الأحرى بالطبقة السياسية بالدرجة الأولى أن تخرج إلى الساحة للتعبير عن الولاء للجزائر وتأكيد الارتباط الوطيد بالوطن والتعلق المتين بالأمة تعبيرا عن صدق الانتماء. وتتأكد هذه الحتمية المصيرية بالأخص في مثل الظروف التي تستدعي مساهمة الجميع في تعزيز الجدار الوطني وتنمية الروح الوطنية الصادقة بتجاوز القراءات الأنانية والظرفية محدودة الأفق نحو صيانة مكسب الحرية وتنمية آفاقها بما يحمي مستقبل الأجيال التي تحتاج إلى العمل أكثر لرص الصفوف لإسقاط كل الدسائس وإحباط مختلف المؤامرات وفضح كل المناورات التي تستهدف السيادة الوطنية. وفي بلد ضحى شعبه طيلة مسار تاريخه ليوفر الكرامة لأبنائه، لا يمكن لمن لا يحسن قراءة الماضي أو يتعمد في التلاعب بالتناقضات أو يردد اسطوانة مشروخة، أن يغالط المواطنين، الذين يجيدون التمييز بين المكاسب الجوهرية المحققة بفضل ثورة أول نوفمبر والإنجازات المجسدة طيلة مسيرة أكثر من نصف قرن من الاستقلال من جهة والمتاعب اليومية والنقائص وكل ما يشغل الإنسان من جهة أخرى، وهي تحديات ينبغي مواجهتها بالتزام روح المواطنة ونبذ كل ما يعطلها. ومهما تكن النقائص الموضوعية أو المفتعلة مقارنة بالتطلعات والانشغالات المشروعة، لا بديل عن مواصلة الذود عن هذا الوطن بتنمية روح الانتماء إليه بالصدق في العمل وعدم الالتفات لما من شأنه أن يرمي إلى تثبيط العزيمة أو يدفع إلى الإحباط الذي لا مجال له لدى الشباب الجزائري المدرك لما حوله محليا وإقليميا وعالميا. ويمكن أن تمثل هذه المحطة التاريخية البارزة موعدا آخرا للانطلاق مرة أخرى ومواصلة مسار تحصين السيادة الوطنية بالتزام فعال بقيم ثورة التحرير التي ارتقت بالشعب الجزائري إلى مصاف الشعوب القليلة التي تحظى بالاحترام والمهابة كونها لا تستسلم للقدر ولا تنكسر أمام أي تحد مهما كان، بل يواجه الظروف بصبر مستمدا قوته من ماضي وبطولات الأجداد والآباء.






