قناعة عميقة في الانتقال بالجزائر إلى مستويات واعدة
يستحضر الجزائريّون غدا حدثا سياسيا بارزا ونادرا في مسيرة بناء الدولة الوطنية، والحفاظ عليها من الانهيار جرّاء ما شهدته من تكالب على تقويض أركانها وضرب مؤسّساتها من قبل صنّاع الإرهاب آنذاك، الذين تآمروا عليها لإسقاطها والاجهاز عليها.
هكذا يقف أحرار هذا الوطن لإعادة شريط المحطّات التّاريخية التي كانت بمثابة ترجمة لإرادة سياسية ثابتة، قرّرت أن تخرج هذا الوطن من حالة المأساة التي كان يمر بها بالتّعهّد أمام الجميع بإطفاء نار الفتنة، وإعادة هذا البلد إلى سابق عهده داخليا وخارجيا.
بدأ هذا العمل الاستراتيجي بالوئام وانتهى بالمصالحة الوطنية، كان مبنيا على رؤية واضحة ألا وهي فرض الاستقرار في كامل التّراب الجزائري، وإزالة مظاهر اللاّأمن هنا وهناك.
هكذا بمجرّد أن حدّد رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة أولوياته الـ ٣ ألا وهي:
_ نشر الأمن في كامل التّراب الوطني.
_ الوثبة الاقتصادية والاقلاع التّنموي.
_ عودة الجزائر إلى المحافل الدولية.
شرع في تجسيد هذه العناوين بكل ما أوتي من إيمان عميق لما فتحه من ملفّات قصد تسويتها وإيجاد حلول لها في الوقت المناسب والسياق اللاّئق، وهذا بفضل قناعته الكاملة بما سطّره من محاور كبرى، ففي وقت قياسي وظرف زمني قصير ارتسمت ملامح الصّورة لجزائر ما بعد التسعينات.
وللتّاريخ فإنّ هذه الأمانة التي حمّلها إيّاه الشّعب الجزائري في ١٩٩٩ أدّاها بكل صدق، وما من يوم يمر إلاّ وتظهر بوادر هذا الجهد داخليا وخارجيا في اتجاه النّجاح المرجو، وهذا بفضل تفاعل الشّعب مع كل ما تمّ عرضه عليه، للفصل فيه من خلال استشارته في المسائل المصيرية التي تعنيه مباشرة وتخص مستقبله.
ولا يمكننا أبدا نكران ما بذله رئيس الجمهورية من جهد خارق ومجهود شاق ومضني من أجل الجزائر، وبخاصة فيما يتعلّق باستتباب الأمن في كامل ربوع الوطن، والقضاء أو إزالة موجات التّصعيد، وهذا من خلال استعمال خطاب التّهدئة الدّاعي إلى تحميل كل واحد مسؤولية ما يحدث، وعليه فمن الواجب أن ينخرط الجميع في هذا المسعى الجديد.
نقول هذا الكلام من باب أنّنا عشنا هذا المسار السّلمي عن قرب، وكان الرّئيس صريحا في خطاباته تجاه الآخر في تجمّع تيزي وزو بملعب أول نوفمبر قال للحضور لا بديل عن المصالحة، ومن يعتقد بأنّ له تصوّر آخر غير ما اقترح، فإنّنا مستعدّون للتخلي عن هذا الخيار.
هذه الرّسالة كانت واضحة لكل من كان يرفع لواء «اللاّعقاب» مقيما الدنيا ولم يقعدها من أجل فعل أيديولوجي مغرض أضرّ كثيرا بالمصالح العليا للوطن، وأخرّ كل المبادرات والمساعي الحميدة التي كانت ترمي إلى إنهاء هذه الأوضاع في أقرب وقت ممكن، وفي فترة وجيزة كما تمنّاه الكثير من الذين اكتووا بنار الفتنة.
والمصالحة هي أعلى مرحلة تلي الوئام، عبارة عن جرعات ذات فعالية في تحقيق الأهداف المنوطة بها، والمصالحة كذلك هي أكبر من كل تلك الأفكار التي أرادت الابقاء على الوضع كما هو، وقد لخّصها رئيس الجمهورية في أن لا يبقى أبناء الوطن الواحد يتقاتلون إلى يوم الدين بعد أن كلّفنا ذلك ٢٠٠ ألف شخص وخسارة ٢٠ مليار دولار، فإلى أين يا ترى؟ لذلك، فإنّ المصالحة التي جاء بها الرئيس بوتفليقة كانت حتمية سياسية وأمنية لا مفر منها لإعادة الهدوء إلى الجزائر، وكذلك الانطلاق في التّنمية الوطنية الشّاملة التي بدون توفر عامل الأمن يستحيل الشّروع فيها، لذلك كانت مقاربة الحل منظومة متكاملة لا تتجزّأ لتلك القفزة المرجوّة لاحقا.
والمسعى السّلمي للرئيس بني على أسس صلبة وقاعدة متينة لم يكن قرارا فوقيا مفروضا أبدا، وإنما حرص في ذلك على استفتاء الشّعب الجزائري فيه من خلال دعوته لقول كلمته الحاسمة يوم ٢٩ سبتمبر ٢٠٠٥.
والنّتيجة كانت دليلا قاطعا على أنّ الشّعب الجزائري يحب السّلم ويحبذ الأمن، رافضا التّمادي في تلك الطّريق إلى ما لا نهاية، هذا ما أراد تبليغه للجميع، وقد فهمه الجميع لتدخل الجزائر مرحلة جديدة في إعادة بناء الدولة الوطنية وفق منطلقات جديدة.
وهكذا تقرّر الحسم في الملف الأمني بشكل نهائي قصد السّماح للسّلطات العمومية بالاسراع في فتح جبهات أخرى منها الاقتصادية والتّنموية، والحضور على المستوى العالمي، لذلك تضمّن «ميثاق السّلم مواد واضحة لا غبار عليها، فلسفته أن يعيد الاستقرار كل الاستقرار إلى الجزائر من أقصاها إلى أقصاها، وأن يلتزم الجميع بما ورد فيه، لم يظلم أحد بل أدرج كل الفئات المتضرّرة في مضمونه وأحالها على آليات مرنة فيما يتعلّق بالتّعويضات لأنّ ما وقع من سقوط للأرواح لا يمكن لأحد أن يعيدهم لهذه الدنيا، لذلك فإنّ الكثير اقتنعوا بذلك وانضمّوا إلى هذا المشروع السّلمي الوطني.
بعد ١٢ سنة من هذا الحدث، فإنّ المصالحة ما تزال راسخة في أذهان كل من آمنوا بها إيمانا قاطعا على أنّها لبنة فريدة في إعادة السّلم إلى الجزائر، وفي كل المحطّات الكبرى تعود إلى الواجهة كان آخرها إدراجها في ديباجة الدستور الجديد على أنّها علامة بارزة في تاريخنا الحديث، وحلقة من حلقات بناء الدولة الوطنية العميقة عن طريق المقاومات الشّعبية والثّورة التّحريرية ومراحل الاستقلال كونها وضعت حدّا وأنهت محاولة الانقضاض على المؤسسات القائمة باسم نماذج أخرى راديكالية.
وعليه فإنّ المصالحة الوطنية أنقذت أجيالا من الشباب ما بعد التسعينات من الوقوع في مطبّات الخطأ بتفادي العيش ضمن التشنّجات المذهبية وغيرها، وهذا في حد ذاته يعد مكسبا ثمينا في رفض العودة إلى الماضي العصيب.



