تعددية أثرت المشهد الإعلامي ورسخت مبدأ حرية التعبير
30 سنة مرت على أحداث أكتوبر 1988 التي لا زلنا نتذكرها بألم و نحمل صورها الجريحة في الذاكرة الجماعية لما أفرزته من تداعيات خطيرة على السلم الاجتماعي والأمن الوطني واستقرار البلاد التي دفعت من اجله تضحيات مريرة وسقطت أمامه كبريات الأشياء وصغرت.
الأحداث التي خرج فيها شباب وتلاميذ ثانويات بالعاصمة في بداية الآمر قبل توسعها لجهات أخرى من الوطن، هاتفين بشتى عبارات الاستياء والتذمر، لم تكن مجرد حدث عابر أو تظاهرة تأججت بفعل فاعل ، تعاملت معها السلطة السياسية بجد واخذ ت المطلب المرفوع والانشغال المعبر عنه بالفم المملوء والصراخ بعين الاعتبار. فكان 5 أكتوبر الغضب ،نقطة التحول الفاصلة من الأحادية الحزبية إلى التعددية السياسية ترجمها بدقة دستور 23 فيفري 1989. وهي تعددية رافقها تحول إعلامي واقتصاديببروز عناوين خاصة في الصحافة المكتوبة قبل توسعها للسمعية البصرية ، أعطت إضافة للمشهد الإعلامي وقوت تجربة الاتصال ألتعددي الذي فتح المجال للآراء المتناقضة المتباينة للتعبير عن المكبوت وطرح وجهات نظر للبناء الوطني من زوايا أخرى وفق ما يمليه الضمير وما تفرضه المهنية.
وقد مهد الرئيس الراحل آنذاك الشاذلي بن جديد الطريق لهذا التغيير الذي فرض نفسه على مقرر السياسة الوطنية ولم يعد يقبل الانتظار والتأجيل خاصة في ظل تمادي عواصم خارجية في توظيف أحداث 5 أكتوبر إلى أغراض خاصة متخذة منه ورقة سياسية لتأجيج الوضع والضرب على وتره في مسعى «صب الزيت على النار». وكانت الفضائيات الأجنبية آنذاك رغم قلتها لا تتوقف عن اتخاذ ما يجري في الجزائر ، مادة إعلامية توظفها في التأجيج وإشعال فتيل الأزمة مستضيفة من يحمل حقدا دفينا على الجزائر ومن لم يهضم استقلالها وظل يبكي على الإطلال، في إعطاء 5 أكتوبر بعدا دراميا يريده ويأمل أن لا تخرج البلاد منه سالمة.
وكالعادة تنجح السلطات الجزائرية في كسب الرهان وتتخذ من الحدث منطلقا في الذهاب إلى الأبعد في معركة التقويم والتقييم مقرة أمام الملأ تعهدها بانجاز إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة تأخذ في الاعتبار الانشغالات المرفوعة وتجنب البلاد ماسي وأزمات هي في غنى عنها.
ظهر هذا جليا في خطاب الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد يوم العاشر من أكتوبر مقدما قراءة سياسية للحدث، موضحا كيف أن هناك من لم يفهم مقصده في خطاب أدلى به من قبل الحديث عن وضع البلاد الصعب اقتصاديا وخيارات الخروج منه ، معطيا تفسيرا غير التفسير الذي أراده . دعا الراحل الشاذلي في خطابه المواطنين إلى التعقل وعدم ترك موجة الغضب تملي عليهم خيارات وتوجهات ترهن السلم الاجتماعي وتترك الجزائر على فوهة بركان، وهي تواجه وضعا اقتصاديا صعبا جراء انخفاض أسعار البترول.
هكذا جاءت الإصلاحات السياسية عندئذ ، ممهدة لمسار سياسي تعددي أفضى إلى إقرار دستور 1989 المشدد دوما على الثوابت والمتغيرات منها فتح المجال الواسع لإنشاء تشكيلات سياسية وصلت إلى حد 60 حزبا.لكن قلة التجربة والمغالاة في تغليب المصلحة الحزبية على مصلحة البلاد والمبالغة في التغيير الفوري وبأي طريقة أدى إلى انزلا قات أخرى أدخلت البلاد في دوامة العنف وغذت موجة إرهاب اعتدت على أقدس حق إنساني على الإطلاق ، وهو الحق في الحياة.
مرة أخرى تتحدى الجزائر الظرف الصعب وتخرج منه بشق الأنفس وتضحيات من الدم والدمع .و يتغلب العقل على العاطفة وتفرض الحكمة والرؤية الاستشرافية نفسها .ويتخذ مقررو السياسة الوطنية مبادرات من اجل التهدئة وتوقيف نزيف الدم وترسيخ ثقافة التصالح والتعايش: فجاء قانون الرحمة في عهد الرئيس لمين زروال وتعزز بالوئام ثم المصالحة بفضل تدابير السلم التي قررها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة الذي وعد بإعادة اللحمة والأخوة للجزائريين في برنامجه الانتخابي عام 1999.
وعرفت الجزائر ولا زالت انطلاقة نوعية في البناء الديمقراطي التعددي وتعزيز دور المؤسسات ما انفكت السلطات الأمنية والعسكرية تحرص عليها متخذة ما توفر لها من إمكانيات في جعل السيادة الوطنية خطا احمر والاستقرار مكسبا غير قابل للمساس إلى يوم الدين.



