نفى الباحث في الثّورة الجزائرية السيد خالد عباس نفيا قاطعا أن تكون مظاهرات ١١ ديسمبر ١٩٦٠ عفوية أو وليدة ظروف معيّنة بل اندلعت شرارتها التّحررية بناءً على الأوامر الثّورية الصّادرة عن الولاية الرّابعة المنطقة السّادسة، ردّا على الشّعارات الجوفاء التي رفعها ديغول منها الجزائر – فرنسية كلّفته هبة شعبية عارمة من قبل الجزائريّين الأحرار، الذين قرّروا استرجاع السّيادة الوطنية السّليبة مهما كانت التّضحيات.
وهكذا وبفضل هذا الفصل النّادر في العطاء من الفصول التّاريخية الشّاهدة على عزيمة هذا الشّعب في استعادة استقلاله، تغيّرت المعطيات الميدانية رأسا على عقب، وهذا عندما شرعت فرنسا في التقرب من المسؤولين الجزائريين قصد البحث عن فرص الحوار بعد أن لاحظت بأن المبادرة العسكرية فلتت من أيديها، ولم تعد قادرة على المضي قدما في هذا الاتجاه وهي تحصي يوميا قتلاها وخسارتها في العتاد.
كل هذه التطورات السياسية جاءت بعد أن هزّت مظاهرات ١١ ديسمبر ١٩٦٠ أركان «الدولة الفرنسية المحتلّة» لتبدأ في الإعداد للخروج من هذا «الوضع» الذي تحوّل إلى جحيم عليها.
وكل الأحداث آنذاك كانت لغير صالح فرنسا، بدأت يوم ٩ ديسمبر ١٩٦٠ عندما زار ديغول عين تموشنت التي يتواجد بها أكبر عدد من المعمّرين، الذين تظاهروا ضدّه عندما هتف قائلا «الجزائر جزائريّة» انتقموا منه بطريقتهم الخاصّة، ألا وهي التّعبير له عن رفضهم للسياسة التي يتبعها في الجزائر خوفا من قرارات لا تساير أفكارهم المتطرّفة، وهم يدركون دهاءه في مثل هذه الأوضاع بعد أن مني بفشل ذريع في إقامة مشروع قسنطينة.
وأثناء عودته توقّف بمدينة مستغانم، وهنا أراد إزالة ما ألصق به في عين تموشنت، وهكذا توجّه إلى المعمّرين وطمأنهم بأكذوبة أخرى وهي «الجزائر – فرنسيّة»، وعاد الأمل كل الأمل إلى هؤلاء القتلة بأنّ هذا الرجل لا يختلف عن سابقيه في نزعته الإستعمارية الحاقدة ضد الجزائريّين.
هذه المؤشّرات السياسية عجّلت بأن يزداد الوعي لدى الجزائريّين في التصدي لهؤلاء المعمّرين مهما كان الأمر وعدم تركهم يفرضون منطقهم على أبناء هذا الشّعب وهم في أوج الكفاح المسلّح، منذ سنة ١٩٥٤ كيف كان وقع تلك التّصريحات المعادية على الجزائريّين؟
بالرّغم من الحصار المضروب على تحرّكات الجزائريّين والضّغوط الممارسة ضدّهم في كل نقطة عسكرية، فإنّ استفزازات المعمّرين لم تمر بسلام فقد تصدّوا لشرذمة منهم طالبتهم بالتّظاهر لصالح ما يدعونه بـ «الجزائر – فرنسيّة»، التي أطلقها ديغول كان ذلك استنادا إلى الباحث خالد عباس بالقبة أمام ثكنة الكولونيل برنارد، ففي رمشة عين وفي رد فعل لم يتوقّعه الغلاة المعمّرون، انطلق الجزائريّون كرجل واحد في مظاهرة حاشدة هاتفين بأعلى أصواتهم «الجزائر – جزائريّة»، «الجزائر حرّة مستقلّة» «تحيا الحكومة المؤقّتة» و»يحيا فرحات عباس».
هذه الحرارة الثّورية زادت من ثقة الجزائريّين في مقارعة الإستعمار وأذنابه، وفي خضم هذا الجو المفعم بالنّضال والوحدة الوطنية في أسمى معانيها لتحرير الوطن صدرت الأوامر بصناعة الأعلام، وضرب موعد ١٠ ديسمبر على السّاعة السّابعة صباحا بمناخ فرنسا (واد قريش حاليا) عند جسر زواق قصد التوجه إلى باب الواد وكر المعمّرين. وفي هذا الإطار يقول عباس خالد إنّه توجّه إلى السيدة مغمراد محمد في «نوتردام دافريك» (رايس حميدو حاليا)، لخياطة حوالي ٢٠ علما بعد شراء ١٠ أمتار من القماش (الأخضر، الأبيض والأحمر).
وفي يوم ١١ ديسمبر ١٩٦٠ تجمّع الجزائريّون في نفس المكان، وخلال ذهابهم إلى باب الواد وبالقرب من شارع ميزون أطلق أشخاص مسلّحون النّار على المتظاهرين، أدّى إلى سقوط ٤ نساء كنّ في المقدّمة.
وفي هذا اليوم المشهود الذي عاشه المجاهد خالد عباس كمنظّم للمظاهرة رفقة الخيّرين من المناضلين الأشاوس، لم يعد بمقدور أحد توقيف هذا المد المتلاحق من البشر الذين قدموا من كل أحياء العاصمة، وأصبح الشّعب الجزائري صاحب القرار بانضمامه المتواصل إلى المظاهرات الخارجة من كل مكان باتجاه باب الواد، وازداد مع كل هذا الوعي حقد القوات الفرنسية التي أطلقت النار مرة أخرى ليسقط ١٠ أطفال وإصابة ١٠٠ شخص.
ويوم ١٢ / ١١ / ١٩٦٠ كانت كل الأحياء بالعاصمة تشتعل رفضا للاحتلال، وامتد ذلك إلى غاية ضواحي المدينة البعيدة، خاصة بعد نداءات الولاية الرابعة بالاستمرار في المطالبة بالاستقلال الوطني، وسار الحال على هذا المنوال يومي ١٣ و١٤ ديسمبر بنفس الحماس الثّوري عقب انتقالها إلى الحراش (بوبصيلة) خاصة، حيث سقط العديد من الشّهداء الأبرار.
غير أنّ يوم ١٥ / ١١ / ٦٠ تدخّل فرحات عباس داعيا الجميع إلى توقيف هذه الانتفاضة الشّعبية بقوله: «يكفينا من الموتى» بعد تسجيل ٣٠٠ شهيد و٦٠٠ جريح. وهكذا اعتبر خالد عباس مظاهرات ١١ ديسمبر ٦٠ صفعة قويّة في وجه الاستعمار لا ينساها أبدا.



