نمو متصاعد.. مشاريع عملاقة وهيكلة حكومية جديدة
الاقتصاد السيّد يسجّل تطورا غير مسبوق بشهادة الهيئات الدولية
أدوات لوجستية وتمويلية تُهيئ الأرضية لصناعة قابلة للمنافسة في محيط متقلّب
اكتفاء ذاتي وأمن غذائي وصحي ومـائــي.. الحلم يتحقّق في وقـت قياسـي
يدخل رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، العام الجديد من عهدته الانتخابية الثانية، بصيغة أعمال وأفعال تتقدم على الأقوال، إذ تزامنا ومرور سنة عن تأدية اليمين الدستورية، بدأت ملامح العام الأول تتشكّل في الاقتصاد الحقيقي ثمّ في بنية القرار التنفيذي بعد تعيين سيفي غريب وزيرا أول، وتعيين أعضاء الحكومة الجديدة، في ظلّ مواصلة جني ثمار الإنجازات والمكتسبات والانتصارات داخليا وخارجيا، آخرها السابقة المحقّقة في معرض التجارة البينية الإفريقية «إياتياف 2025».
يوحي الانتقال في واجهة الجهاز التنفيذي بميل واضح إلى تسريع التنفيذ ورفع كفاءة التنسيق بين القطاعات المنتجة، مع الإبقاء على استقرار الحقائب المالية والتجارية والخارجية، بما يضمن استمرارية البرامج الكبرى ويقلّل كلف التبديل في منتصف الطريق. والفكرة الحاكمة برأي مراقبين، بسيطة ومباشرة، نمو متماسك يقوده طلب داخلي متزايد ويُدعم بتوسيع قاعدة التصدير خارج المحروقات، مع أدوات لوجستية وتمويلية ومائية تُهيئ الأرضية لصناعة قابلة للمنافسة في محيط متقلّب.
الاقتصاد سجّل خلال 2025 نموًا حقيقيًا قريبًا من أربعة في المئة، وفق نطاق تقديرات المؤسّسات الدولية، وهو مستوى لا يعبّر فقط عن أثر أسعار الطاقة بل عن مساهمة القطاعات غير النفطية، التي توسّعت في التجارة والخدمات والصناعات التحويلية. والأثر الملموس ظهر في بوابة الموانئ، إذ حقّق ميناء الجزائر قفزة معتبرة في الربع الثاني من العام الحالي، مع ارتفاع إجمالي الصادرات حجما بنسبة تفوق اثنين وأربعين في المئة مقارنة بالفترة نفسها من 2024، وزيادة السلع المعبأة في الحاويات بأكثر من واحد وثلاثين في المئة.
رؤية استشرافية لاقتصاد سيّد
يؤشّر ارتفاع المناولة على أنّ السلع الجزائرية تسير على خطوط توريد فعلية إلى أسواق خارجية، وأنّ حلقات اللوجستيات تتحسّن من حيث زمن التفريغ والكلفة والوثائق، وهو ما ينعكس على تنافسية المنتج المحلي وقدرته على تثبيت موطئ قدم في أسواق قريبة وإفريقية ودولية.
في ملف الأمن المائي، تحوّلت التحلية إلى ذراع استراتيجية، حيث دخلت محطتا فوكة الثانية وكاب جنات الثانية الخدمة، بطاقة إنتاج تقارب ثلاث مئة ألف متر مكعب يوميا لكل واحدة. بذلك يرتفع نصيب التحلية في تغطية الطلب الحضري والصناعي، وتتراجع هشاشة المدن الساحلية أمام دورات الجفاف. والاستثمار المائي ينعكس فورًا على الصناعة والسكن والزراعة، ويقلّل الضغط على السدود ونظم التحويل، كما يمنح البلديات قابلية تخطيط أفضل للمناطق الصناعية الجديدة ومناطق النشاط، ويحدّ من اختناقات الصيف التي كانت تُضعّف ثقة الأسر والفاعلين الاقتصاديّين.
الفلاحة واصلت صعودًا حقيقيًا بمعدلات نمو سنوية يقدّرها الخبراء في حدود 7٪، مع توسّع سلاسل الحبوب والأعلاف والخضر الصناعية وربط الوفرة بمخارج تسويقية داخلية وخارجية. والمقاربة المعتمدة تراهن على امتصاص الإنتاج عبر الصناعات الغذائية والتصدير عند الحاجة، ما يحدّ من دورات الكساد ويشجّع الاستثمار في التخزين البارد والتعليب والنقل المبرد. وبهذا المعنى يتحول الدعم من منطق موسمي إلى منظومة قيمة مضافة تبدأ بالبذرة وتنتهي على رف التصدير، وتنتج أثرًا ماليًا واجتماعيًا أوسع في الولايات الداخلية.
المناجم تشكّل الرافعة الأعمق على المدى المتوسّط في برنامج رئيس الجمهورية، مشروع غارا جبيلات في مساره نحو التشغيل الصناعي ابتداء من 2026، مع استكمال حلقات النقل والمعالجة، بينما يتقدّم مركب الفوسفات في الشرق نحو أشغال التشييد، بعد إنهاء الهندسة الأمامية التفصيلية، كما تتبلور مشاريع الزنك والمعادن المصاحبة. والعائد هنا مركّب، إحلال واردات الحديد والأسمدة وتقليص نزيف العملة الصعبة، ثمّ تحويل جزء معتبر إلى صادرات مهيكلة نحو إفريقيا وجنوب المتوسّط، بما يخلق توازنًا أمتن لحساب المعاملات ويقلّل حساسية المالية العمومية لدورات الطاقة.
قبلة الأحرار تصنع المعجزات
خارجيًا أعاد رئيس الجمهورية، خلال السنة الأولى من عهدته الجديدة، توجيه ثقل الجزائر الرّمزي في إفريقيا إلى قوة تفاوضية عملية، وحراك الزيارات الرّئاسية المتبادلة عزّز موقع الجزائر في هياكل صنع القرار القاري، وقد شهدت الجزائر استقبال رؤساء على رأسهم بول كاغامي رئيس رواندا، وإيمرسون منانغاغوا رئيس زيمبابوي، والرئيس الموزمبيقي إضافة، إلى محمد ولد الشيخ الغزواني رئيس موريتانيا، ومحمد إدريس ديبي إتنو رئيس تشاد، وإبراهيم غالي رئيس الجمهورية العربية الصّحراوية الديمقراطية.
فيما قدّم معرض التجارة البينية الإفريقية في الجزائر، اختبارًا حيًا لقدرة الشركات الجزائرية على إبرام صفقات فعلية بقيمة قياسية تجاوزت أحد عشر مليار دولار، ضمن حصيلة إجمالية قياسية للمعرض، والدلالة هنا أنّ الخطاب الاندماجي لم يبق في دائرة الشعارات، بل تحوّل إلى عقود توريد وتمويل وتوزيع، وهو ما يمنح المؤسّسات الجزائرية خبرة أسواق ويزيد قابليتها للحصول على تمويلات ميسّرة وتغطيات تأمينية للتوسّع خارج الحدود.
تحديات العام الجديد واضحة من أولويات الحكومة المكلفة، فهي تتوزّع على خمسة محاور كبرى برأي متابعين ومختصّين.
أولا، تسريع تنويع الصادرات لضمان مسار واقعي نحو ثلاثين مليار دولار خارج المحروقات بحلول 2030، عبر تحفيز الصناعات التحويلية والمنتجات نصف المصنّعة وتبسيط إجراءات التصدير.
ثانيا، مأسسة الأمن المائي وربطه بكفاءة الطاقة والصيانة، لضمان استدامة محطات التحلية وخفض فاقد الشبكات. ثالثا، تحويل التعدين إلى صناعة مكتملة الحلقات تشمل النقل والمعالجة والخدمات الهندسية المحلية، حتى لا يُستهلك العائد في سلاسل أجنبية. رابعا، تحديث اللوجستيات بالموانئ والحدود البرية عبر أزمنة عبور أقصر ومنظومات جمركية رقمية متكاملة، فالتنافسية تُقاس بالدقائق والكيلومترات. خامسا، تعميق الإصلاح المؤسّسي للقطاع المالي، من أجل تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسّطة وسلاسل التوريد، مع تشجيع أدوات السوق كالتمويل التأجيري والصكوك الإنتاجية.
وضعت حصيلة العام الأول من العهدة الثانية أساسًا واقعيًا لاقتصاد صلب وأكثر قابلية للنمو المنتظم، مع الإشارة إلى أنّ إعادة تشكيل الفريق الحكومي تمنح الأجندة التنفيذية دفعة إضافية نحو التنسيق والسرعة والنجاح في السنة المقبلة، سيُقاس بمؤشّرات محدّدة، مزيد من الصادرات الفعلية خارج المحروقات، تشغيل مناجم وفق جداول زمنية قابلة للتدقيق، استقرار مائي في المدن الكبرى صيفًا، وأزمنة عبور أقصر في الموانئ والحدود.
عندها تتقدّم الجزائر المنتصرة والمزدهرة، خطوات إضافية نحو ناتج محلي أوسع وقاعدة إنتاجية أعمق، مع اقتصاد ينمو بالعمل اليومي والقرارات السيادية والإرادة الفلاذية، لرئيس يقف في صفّ المواطن دائما ويضعه كأولوية الأولويات وقبل كلّ شيء.

