النجاح يتطلب حزمة متزامنة من التدابير الأمنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية
يندرج اللقاء الرفيع الذي جمع، الأحد، بين قيادة القوات البرية الجزائرية وقائد العمليات الخاصة للولايات المتحدة الأمريكية في إفريقيا، ضمن مسار تُرسِّخه الجزائر منذ سنوات، في مكافحة الإرهاب بمنهج مركّب يوازن بين أدوات الأمن وسيادة القانون من جهة، وبرامج اجتماعية وتنموية تُضعِف قابلية التجنيد وتُجفّف منابع التمويل الإجرامي من جهة أخرى، مع الحفاظ على حساسية الملفات العملياتية خارج التداول الإعلامي.
الحدث يسلّط الضوء على مقاربة جزائرية ترفض اختزال المشكلة في بعدها العسكري البحت، ويؤكّد أنّ النجاح يتطلّب حزمة متزامنة من التدابير الأمنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، وأنّ أي شراكات دولية تُقرأ من زاوية دعم هذا المسار لا استبداله.
على المستوى القاري، تمتلك الجزائر أدوات مؤسّسية مترسّخة داخل منظومة الاتحاد الإفريقي، أهمها المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب في الجزائر العاصمة، الذي يعمل كذراع معرفي وإنذاري عبر قواعد بيانات مشتركة ونشرات دورية وتحليلات اتجاهية، إضافة إلى «أفريبول» كآلية شرطية للتعاون العملياتي بين أجهزة الشرطة الإفريقية وتيسير طلبات المساعدة وتوحيد إجراءات المتابعة عبر الحدود. هذه البنية تمنح القارّة ذاكرة مؤسّساتية وتقلّل زمن الاستجابة وترفع دقة التقديرات الميدانية، كما تسمح بتجميع الدروس المستفادة من مسارح مختلفة في الساحل والقرن الإفريقي وخليج غينيا.
كما توضّح الجزائر في المحافل متعدّدة الأطراف، أنّ تجفيف منابع التمويل هو نقطة الارتكاز، إذ تُربط الجماعات الإرهابية بشبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات خاصة في منطقة الساحل الإفريقي، والابتزاز والفدية والاتجار بالبشر والوقود والذهب، كما تُرصد محاولات استغلال أدوات مالية وتقنية ناشئة. من هنا دفعت الجزائر خلال عهدتها الحالية في مجلس الأمن، نحو مبادئ توجيهية تساعد الدول على منع وكشف وتعطيل إساءة استخدام التقنيات المالية الحديثة، وركّزت على ربط الأدوات الأمنية ببرامج تنموية ميدانية حتى لا تتحول مكافحة التمويل إلى مسار تقني منفصل عن الواقع الاجتماعي. وهذا النهج ينسجم مع رؤية «قيادة إفريقية وتركيز تنموي»، ويمنح دول القارّة مساحة أكبر لتكييف السياسات مع السياقات المحلية.
أما في فضاء الساحل الإفريقي، أحد أكثر المناطق في إفريقيا تضررا من ظاهرة الإرهاب، تُقدّم الجزائر مقاربة «أمن وتنمية معًا»، حيث تُدعَم منصّات الإنذار المبكّر، وتُرفع كفاءة الدوريات المشتركة وحرس الحدود، وتُشجَّع المشاريع الصغيرة المرتبطة بالطرق المحلية، والأسواق، والمياه، والكهرباء. والفكرة بسيطة ومباشرة، فكلما توفّر بديل اقتصادي قانوني انخفضت القابلية للتجنيد وتراجعت قدرة الجماعات على شراء الولاءات، وكلما تقلّصت أرباح التهريب والمخدرات تراجعت قدرة هذه الشبكات على تمويل العنف. ونجاح هذه الحزمة مرتبط بتقليص فجوات التنسيق بين المنظمات القارية والإقليمية، وهو ما تحرص الجزائر على معالجته عبر المزاوجة بين العمل الشرطي والجهد الدبلوماسي.
ويؤكّد الحدث الأخير أنّ الشراكات الدولية مع الجزائر تُبنى على احترام السيادة وحساسية الملفات، وأنّ أهدافها تتحدّد في تبادل الخبرات والمنهجيات ورفع كفاءة التنسيق، دون الانجرار إلى تفاصيل عملياتية أو ترتيبات ميدانية خارج الأطر القانونية. واللقاء يبعث برسالة واضحة لشركاء الجزائر في إفريقيا وخارجها، والأولويات ثابتة وتشمل منع انتقال التهديد بين الأقاليم، ودعم قدرات إنفاذ القانون، وتحسين تتبّع الأموال والممتلكات وتفكيك الشبكات العابرة للحدود، مع إبقاء مسار العدالة وحقوق الضحايا جزءًا من المعالجة وليس تفصيلاً لاحقًا.
وترتبط المقاربة الجزائرية أيضًا بملفات خطاب الكراهية والتطرف على الشبكات، إذ تُشدِّد على أنّ المواجهة لا تقتصر على المحتوى العنيف، بل تمتد إلى البنى التي تسهّل التجنيد والدعاية والتمويل الصغير، ويُطلب من المنصات التقنية التعاون وفق أطر قانونية واضحة، مع تمكين الهيئات الوطنية من أدوات التحقيق الرّقمي والتتبع المالي. كما يجري التنبيه إلى خصوصية البيئات الحدودية ذات الامتدادات القبلية والمعيشية، حيث يلزم احترام النسيج الاجتماعي وتجنّب المقاربات التي تُضعّف الثقة بين السكان والدولة.
والخلاصة أنّ إبراز التعاون الأمني الجزائري ـ الأمريكي ليس غاية شكلية، بل مدخل لتثبيت رسالة سياسية وأمنية متّسقة، فالجزائر لاعب مركزي في مكافحة الإرهاب في إفريقيا لأنها تقدّم حلاً مركّبًا يدمج الأمن والتنمية وتجفيف التمويل، وتستند إلى مؤسّسات قارية مقرّها الجزائر، وتتحرّك في مجلس الأمن بخطاب يربط الوقائع الميدانية بالمعايير الدولية، وتبني شراكات منضبطة تحترم السيادة وتراعي حساسية الملفات. وطريق النجاح يمرّ عبر بيانات موحّدة وتنسيق فعّال واستثمار اجتماعي واقتصادي يمنح الشباب بدائل واقعية، ومع استمرار هذا النهج تتراجع قابلية العنف وتغلق القنوات التي تربط الإرهاب بالجريمة المنظمة في الساحل والجوار، ويصبح كل لقاء رفيع قيمة مضافة لمسار طويل لا يقوم على العناوين بل على مؤشّرات ملموسة في الميدان.




