استقرار كبير في الأسعار ووفرة محسوسة في المواد الاستهلاكية من خضر وفواكه ولحوم ومواد غذائية، أبرز ما ميّز شهر الصيام هذه السنة، وهو ما بعث الارتياح وبث الطمأنينة، بفضل التنظيم الجيد والرقابة الدقيقة والصارمة.
على امتداد الأسواق الجوارية، ونأخذ على سبيل المثال أسواق العاصمة، سُجلت حركية تجارية وإقبال كبير من المستهلكين، ما جعل العرض يفوق الطلب. والجدير بالإشارة أن من أهم ما تمّ تسجيله اختفاء المضاربين والباعة الانتهازيين، لأن عهدهم ولى وصار من الماضي.
شهدت جميع الأسواق والمساحات التجارية تدفقا للمواطنين الذين وجدوا وفرة كبيرة وتنوّعا في المواد الاستهلاكية ذات الجودة العالية، خاصة المواد الغذائية من أجبان وعجائن وطماطم وتوابل ولحوم حمراء وبيضاء، سواء المحلية أو الطازجة والمستوردة وغيرها. واللافت أنه مع حلول شهر رمضان، أصبحت الأسواق الجزائرية هذا العام أكثر تنظيما وطمأنينة، في مشهد يعكس جهدا كبيرا وواضحا لوزارة التجارة الداخلية، التي نجحت في ضبط التموين وضمان وفرة المواد الأساسية عبر أسواق مختلف ولايات الوطن.
ثقافــة تنظيميــة جديــدة
بحلول الشهر الفضيل، تقاطعت مؤشرات العرض الوفير مع رقابة ميدانية صارمة وساهرة لا تنام، ما أسهم في استقرار الأسعار بشكل بعث الارتياح في نفوس المواطنين، إلى جانب تحسن في جودة المنتجات المعروضة، خاصة في شعبة الخضر والفواكه. علما أن هذه البيئة الإيجابية، التي عكست جهود السلطات والمنتجين والتجار على حدّ سواء، عززت ثقة المواطن في قدرة السوق الوطنية على الاستجابة لأي ارتفاع قد يُسجل في الطلب خلال شهر الصيام، وتجنب أي ندرة أو اضطراب في عملية التموين، كما تكرّس ثقافة تنظيمية جديدة قوامها الشفافية والتوازن وحماية القدرة الشرائية.
في ظل أجواء الحركية والاستقرار، اقتربت «الشعب» في جولة ميدانية قادتها إلى بعض أسواق العاصمة ومساحات البيع الكبرى، من التجار والمواطنين على حدّ سواء، ورصدت هذه الانطباعات حول الوفرة والأسعار، وكذا جودة ما هو معروض من السلع الغذائية على تنوعها الكبير. علما أن الخضر متوفرة بكميات معتبرة، مع استقرار ملحوظ على مستوى الأسعار التي حرص أغلبية التجار على إشهارها فوق السلع. فقد تراوح سعر البطاطا بين 58 و80 دج للكيلوغرام الواحد، فيما استقر سعر الطماطم بين 75 و120 دج حسب النوعية والجودة. أما البصل فبقيت أسعاره في حدود 40 إلى 60 دج،، في حين سجّلت الفلفل والخس أسعارا متفاوتة تبعا لجودة العرض ووفرة المنتوج. أما كل من البسباس والشمندر فتراوح سعرهما بين 50 و75 دج، كما توفرت التمور بشكل كبير وبأسعار متفاوتة حسب الجودة.
تكثيــف نقــاط البيـــع
اعتبر تاجر الخضر بسوق براقي لكحل سمير أن السوق منتعشة والعرض ضخم يغطي الطلب بأريحية بفضل الفائض في الإنتاج، وقال إن تجار الجملة في أسواق الجملة يعزون هذا الاستقرار إلى وفرة الإنتاج الوطني وتحسن سلاسل التوزيع، إضافة إلى الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها السلطات لضبط السوق قبيل حلول شهر رمضان الفضيل، حيث تمّ تكثيف نقاط البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، وتقليص حلقات الوساطة التي غالبا ما كانت في السابق تتسبب في رفع الأسعار.
ومن جانبه، قال محمد الأمين، تاجر خضر بالتجزئة، إن وفرة الإنتاج المحلي ساعدت على تفادي أي ارتفاع في الأسعار، موضحا في الوقت نفسه أن «أسواق الجملة عرفت تموينا منتظما هذا الموسم، وهو ما سمح بالحفاظ على توازن الأسعار». بينما أكد بشير رحال، تاجر مواد غذائية، أن الإقبال اتسع تدريجيا مع اقتراب رمضان، لكنه يبقى «طبيعيا وغير مبالغ فيه»، لافتا إلى أن أغلب التجار حريصون على احترام هوامش الربح القانونية تفاديا للعقوبات.
ومن جانب آخر، عبّر عدد من المواطنين عن ارتياحهم الكبير لوضعية السوق مع بداية شهر رمضان الفضيل، معتبرين أن الوفرة الحالية خففت من مخاوف الندرة وارتفاع الأسعار. وفي هذا الإطار/
قال عيسى قادري، موظف في عقده الخامس، إن أسعار الخضر هذا العام «تبقى في المتناول مقارنة بسنوات سابقة»، مشيرا إلى أن توفر البطاطا والطماطم بكميات معتبرة ساهم في استقرار السوق. من جهتها، أكدت السيدة عائشة، الستينية وربة بيت، أن جودة العرض تحسنت بشكل ملحوظ، خاصة في الخضر الموسمية، مؤكدة أن «الرقابة الصارمة انعكست على نظافة المحلات واحترام الأسعار المعلنة».
وفـــرة ورقابـة مشــدّدة
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استقرار الأسعار أياما قبل رمضان، بل في ضمان ديمومة التموين طوال الشهر، لا سيما في فترات الذروة التي تعرف عادة ارتفاعا في الطلب. كما يشدّدون على أهمية تعزيز ثقافة الاستهلاك الرشيد لتفادي المضاربة والشراء المفرط الذي يربك السوق.
والجدير بالإشارة، أن مصالح الرقابة التابعة لوزارة التجارة كثّفت من وتيرة خرجاتها الميدانية، مع تسخير فرق مختلطة لمراقبة الفوترة وهوامش الربح وجودة المنتجات المعروضة، وهو ما أكده بعض التجار في حديثهم لـ»الشعب». وتتقاطع هذه الشهادات في نقطة أساسية مفادها أن استقرار السوق هذا العام يعود إلى تكثيف الرقابة، ووفرة المنتوج الوطني، ووعي أكبر لدى المواطنين بضرورة تفادي الشراء المفرط، ما ساهم في خلق أجواء من الطمأنينة عشية الشهر الفضيل.
وفي قراءة مفصّلة للسوق، يمكن القول إن الأسواق الجزائرية دخلت منذ الأيام الأخيرة التي سبقت شهر رمضان على وقع حركة تجارية مكثفة، يقودها إقبال واسع من المواطنين الذين يسعون إلى اقتناء احتياجاتهم الغذائية تحسبا لصيام الشهر الفضيل. والمشهد العام يتسمّ بالاستقرار والهدوء، حيث تتقاطع مؤشرات الوفرة مع رقابة مشددة، ما أفضى إلى تسجيل ارتياح كبير لدى المستهلكين.
مؤشــرات مطمئنة
وبين وفرة العرض ويقظة الرقابة، تبدو أسواق الجزائر خلال شهر رمضان متمتعة بالتوازن والتنظيم والحركية التجارية الكبيرة. كما تدخل الأسواق الجزائرية شهر رمضان هذا العام بأرضية أكثر صلابة وثقة، مدعومة بوفرة واضحة في العرض، ويقظة رقابية حاضرة في الميدان، ووعي متزايد لدى المتعاملين والمستهلكين على حدّ سواء. فالمعادلة التي تتشكل اليوم بين استقرار الأسعار، وتحسن الجودة، وضمان التموين، تعكس ديناميكية إيجابية تؤكد أن السوق الوطنية قادرة على امتصاص أي زيادة في الطلب الموسمي.
وتتواصل جهود التنسيق بين مختلف الفاعلين وتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول، حتى يتحوّل رمضان إلى موسم تضامن وطمأنينة بعيدا عن القلق أو المضاربة التي قُطع الطريق في وجهها. وعلى ضوء هذه المؤشرات المطمئنة، استقبل المواطن الجزائري شهر الصيام بثقة وارتياح وقناعة بقدرة السوق على تلبية احتياجاته في أجواء من الاستقرار والوفرة.



