في الوقت الذي تجتمع فيه العائلات حول مائدة الإفطار في أجواء من الطمأنينة، تظلّ وتيرة العمل في مصلحة الإعانة الطبية المستعجلة (SAMU) في أوج استنفارها، حيث تقف طواقم طبية نذرت نفسها لخدمة الصالح العام، مرابطةً في خنادق الإسعاف لضمان السلامة الصحية للمواطنين.
كشف الدكتور مومن بن عودة، رئيس مصلحة الإعانة الطبية المستعجلة لمعسكر، عن حجم الجهود المبذولة لمواجهة الطوارئ الطبية، مشيرا أن الطبيعة الخاصة لشهر رمضان، وما يصاحبها من تغير في العادات الغذائية والنشاط الحركي، تتطلّب يقظة تامة وجاهزية قصوى.
وخلف كواليس الأرقام والتدخلات، تبرز رسالة إنسانية جليلة مفعمة بالتضحية؛ فالأطباء والممرضون في مصلحة الإعانة لا يملكون ترف الجلوس إلى مائدة منزلية دافئة، حيث يقول الدكتور بن عودة بكثير من الفخر المشوب بالتعب: “أغلب الطواقم يجلبون وجبات إفطارهم من بيوتهم في حقائب صغيرة، فالمائدة هنا ليست مكاناً للاسترخاء، بل هي محطة قصيرة جداً لالتقاط الأنفاس”، إذ تتحول قاعة المداومة إلى مائدة عائلية “مؤقتة” تجمع الأطباء والممرضين حول أطباق منزلية بسيطة، لكنها مائدة مهددة دائماً بالانقطاع، فكثيراً ما تقطع رنة الهاتف “لحظة كسر الصيام”.
بين النداء واللقمة
يصف لنا أحد الممرضين المشهد قائلاً: “قد نضع حبة التمر في أفواهنا، وقبل أن نشرب جرعة الماء، يصل نداء استغاثة عن حادث مرور أو حالة إغماء. في تلك اللحظة، تُترك المائدة فوراً، وتُحرك سيارات الإسعاف قبل أن نبتلع لقمة واحدة، الأولوية دائماً لحياة المريض، وإفطارنا الحقيقي هو نجاحنا في إنقاذ روح”.
هذا التوقيت الصعب بين الحاجة البشرية للغذاء والالتزام المهني المقدس، يجسّد المهام الشاقة التي تضطلع بها فرق الـ (SAMU)، فهم لا يكتفون بمواجهة المرض والحوادث، بل يواجهون أيضاً إرهاق الصيام وضغط الوقت، مغلّبين مصلحة المواطن على راحتهم الشخصية.
وفي ختام تصريحه، وجّه الدكتور بن عودة نداءً للمواطنين بضرورة توخي الحذر، خاصة في الطرقات قبيل ساعة الإفطار، مؤكداً أن مصلحة الإعانة ستبقى دائماً “العين التي لا تنام” من أجل أمن وسلامة الجميع. الإفطار “المؤجل”..، قائلا أن” فرحة النجاة تُشبع الصائم”.
ولا تنتهي مهمة هؤلاء الأبطال بمجرد انطلاق صفارة إنذار سيارة الاسعاف، بل تبدأ معركة حقيقية مع الثواني، وعندما تكلل المهمة بالنجاح ويستقر وضع المريض، يعود الطاقم الطبي إلى المصلحة وقد مضى على أذان المغرب وقت طويل.
ويصف الدكتور مومن بن عودة تلك اللحظات بابتسامة متعبة قائلًا: “أحياناً نعود وقد برد الطعام الذي جلبناه من بيوتنا تماماً، لكن رؤية مريض استعاد وعيه أو مصاب نجا من نزيف حاد، تمنحنا شبعاً لا توفره أرقى الموائد. إنها “فرحة الإفطار الحقيقية” التي لا يشعر بها إلا من وضع حياة الآخرين قبل لقمته”.

