مع اقتراب موعد الإفطار، تتحوّل الشقفة إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث تتشابك روائح الحلويات الرمضانية مع أصوات الباعة ونداءات الزبائن، في مشهد يومي يعكس خصوصية هذه المنطقة التي باتت، بمرور السنين، قبلةً مفضّلة للصائمين خلال شهر رمضان الفضيل.
منذ الساعات الأولى من النهار، تبدأ الحركة التجارية في التصاعد تدريجيا، غير أنّ ذروتها الحقيقية تُسجّل بعد صلاة العصر، اين تمتلئ الشوارع الرئيسية والأزقة المحاذية للمحلات بالوافدين من داخل البلدية وخارجها، بحثا عن أشهر الحلويات الرمضانية التي ذاع صيتها، وعلى رأسها قلب اللوز، الزلابية والبقلاوة، التي تحضر وفق وصفات تقليدية توارثها الحرفيون جيلاً بعد جيل.
ولا يقتصر الإقبال على الحلويات فحسب، بل يمتد ليشمل الخبز بمختلف أنواعه، حيث يقبل الصائمون على اقتناء أجود الأنواع، خاصة خبز “الأرض” و«الفوقاس”، اللذين يحظيان بمكانة خاصة على المائدة الرمضانية، لما يتميزان به من طعم أصيل وجودة عالية.
إلى جانب الحلويات والخبز، تحجز الفواكه المحلية مكانها بقوة في المشهد الرمضاني، حيث تنتشر العربات والمحلات التي تعرض منتجات موسمية طازجة، يفضّلها المستهلكون لجودتها وأسعارها المعقولة مقارنة ببعض المناطق الأخرى.
ازدحام مروري
ومع تزايد الإقبال، تشهد المدينة اختناقا مروريا، خاصة في الساعة التي تسبق آذان المغرب، مركبات متوقفة، حركة بطيئة، ومشاة يملؤون الأرصفة، مشهد بات مألوفا خلال رمضان، ويعكس حجم الإقبال الكبير على المدينة، ورغم هذا الازدحام، لا يبدو أن الصائمين مستعدون للتخلي عن “رحلة الشقفة” اليومية، حتى وإن كانت في اللحظات الأخيرة قبل الإفطار.
وفي مشهد يتكرّر يوميا، يتهافت الكثيرون على اقتناء الخبز الساخن قبل دقائق من الأذان، في سباق مع الزمن لا يخلو من طرافة، لكنه يعكس في الوقت ذاته تمسّك العائلات بعاداتها الرمضانية وحرصها على أن تكون المائدة مكتملة العناصر.
وما يميز “مولاي الشقفة” في رمضان ليس فقط وفرة المنتجات أو جودتها، بل الأجواء العامة التي تطغى عليها روح الشهر الفضيل، تعاون بين التجار، صبر الزبائن، ونوع من الألفة التي تجمع الغرباء قبل أهل المدينة. لم تعد الشقفة مجرد مدينة للتبضّع، بل تحولت إلى وجهة رمضانية بامتياز، ونكهة خاصة للصائمين من مختلف مناطق ولاية جيجل وخارجها.
وشهر الصيام، في الشقفة يُعدّ بمثابة حدث اجتماعي واقتصادي متكامل، تتجسد فيه عادات الاستهلاك، وروح التضامن، ومتعة التحضير للإفطار، وبين زحمة الأسواق، ورائحة الخبز الساخن، وحلاوة الزلابية وقلب اللوز، تبقى المدينة عنوانا ومقصدا في ذاكرة الصائمين، ووجهة لا تغيب عن خريطة رمضان عاما بعد عام.





