ما زال عصير “الشاربات” يحافظ على مكانته المرموقة وسط المجتمع البليدي، ولا تكاد تغيب عن موائد إفطار العائلات طوال رمضان، رغم المنافسة التي يلقاها من المشروبات الأخرى سواء الغازية أو العصائر الصناعية، ويظهر ذلك جليا طوال شهور السنة وبدرجة أكبر خلال الشهر المعظم.
اشتهرت البليدة على غرار بقية مدن سهل “المتيجة” منذ قرون خلت بعصير “الشاربات”، وذلك أمر بديهي فهي ولاية فلاحية بامتياز وغنية ببساتين الحمضيات، والدليل أنها تُموّن السوق الوطنية حاليا بأكثر من 40 بالمائة سنويا من هذه المادة سواء أكانت برتقالا أو ليمونا وغيرها.
وفرة الليمون بالمنطقة تُسهّل على العائلات تحضيرها
في السابق كانت العائلات في مدن البليدة تغرس أشجار الليمون في مساحة صغيرة يُطلق عليها وسط الدار في بيوت أرضية، فضلا عن بساتين الفلاحين المنتشرة بسهل المتيجة، فكان الليمون متاحا للجميع وبالتالي من السهل عليها تحضير “شاربات القارص”، وهي التسمية التي اقترنت بعصير “الشاربات” منذ القدم.
وفي السابق كانت العائلات تحضّر “الشاربات” كلما سمحت الفرصة بذلك، ويكرم بها الضيوف وتزين موائد الاحتفالات كالختان أو أية مناسبة سعيدة، لكن في رمضان تكاد تكون إلزامية نظرا لقدسية الشهر بالنسبة لها، فإذا لم تستطع تحضيرها تشتريها مع العلم أنّ تجارتها تنتعش بشكل لافت في هذا الشهر.
مع تعاقب السنين أصبح عصير “الشاربات” موروثا لا ماديا لا يمكن التفريط فيه، ومع تنامي استهلاكه اهتدت محلات الأكل الخفيف لعرضه أمام زبائنها، كما تبيعه محلات بيع اللبن، فهذا العصير الخفيف المنعش يكثر استهلاكه في فصل الصيف لمجابهة الحر الشديد والعطش.
غير أنّ “الشاربات” الاصطناعية التي تسوّق بكثرة حاليا تحتوي على مكونات كيماوية وسعرها بين 60 و70 دج للتر الواحد، لكن مذاقها حلو خاصة في بعض المحلات التي تملك الوصفة السحرية لتحضيرها بإضافة مكونات طبيعية أخرى مثل الليمون وماء الورد لتصبح لها نكهة مميزة.
لكن الشاربات الأصلية تحضّرها العائلات بعصر الليمون، ثم تُضيف له كمية قليلة من الحليب لتخفيض حموضته وماء الينابيع المنتشرة بكثرة في جبال الأطلس البليدي، ومنكّهات طبيعية مثل عيدان القرفة وماء الزهر والذي تشتهر به البليدة لغناها بالنباتات الطبية والعطرية مثل الياسمين والعطرشة والخزامى وغيرها، ففي السابق كانت العائلات تتوفر على أجهزة تقليدية لتقطير هذه الثروة النباتية، وتستخلص منها مختلف الزيوت وماء الورد.
العثمانيّون استخدموها لأغراض علاجية
تجمع كثير من المراجع على أن “تشاربات” بإضافة حرف التاء في البداية هي كلمة تركية الأصل، وتدل على كل مشروب حلو المذاق، حيث اشتهر به الأندلسيّون والعثمانيّون في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، أي في حقبة تأسيس مدينة البليدة.
وألّف النّازحون الذين استوطنوا بمدينة الورود عدة كتب في هذا المجال، نشروا وطوّروا زراعة الحمضيات بمختلف أنواعها من أجل الفاكهة، وكذلك من أجل أزهارها التي كانوا يقطرونها لتحضير ماء الزهر.
وللأمانة تحقّقنا بالإبحار في شبكة الأنترنت فعثرنا على مراجع تركية تؤكد فعلا بأنّ أصل كلمة “شاربات” يعود إلى فترة الدولة العثمانية، حيث تقول مراجع تركية إنّ هذا المشروب كان يُستخدم في تحضير الحلويات، ويُحضّر بمستخلصات الفواكه والتوابل (القرفة، القرنفل) وبتلات الزهور أو العسل والسكر.
واستنادا إلى ذات المراجع فقد كانوا في عهد الحضارة العثمانية يستخدمون “الشربات” لأغراض علاجية ولحسن الضّيافة، وكان المشروب يُحضّر بغلي مزيج من الماء والسكر والليمون إذا كان مخصّصا لتحضير الحلويات أو بنقع التوابل إذا كان موجّها للشرب كعصير.
«شاربات” الخطبة و«شاربات” صوم الطّفل لأوّل مرة
في وقت سابق كانت العائلات البليدية تضع الشاربات في الأواني الفخارية أو القسديرة المعدنية كي تحافظ على ذوقها وبرودتها، فهذا المشروب الذي يساعد على الهضم كان أساسيا في موائد الإفطار، لذا كان من الضروري وضعه في مكان كتلك الحفر المملوءة بالثلج التي كان يستخدمها السلف لتلعب دور الثلاجة.
تقول بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” مهتمة بتاريخ مدينة البليدة، بأن لعصير الشاربات أنواع، فمن عادات ناس البليدة أنّهم يخصّصون للخطبة “شاربات” تحتوي على مكونات خاصة بها، أما بالنسبة للطفل الذي يصوم لأول مرة فيحتفلون معه بشاربات مختلفة تُحضر بدون ليمون باستخدام السكر والماء وماء الزهر والقرفة، ومن طقوسها أنها تضع فيها خاتما أو قطعة نقدية من الفضة ليكون إسلام الطفل صافيا صفاء إسلام أجداده.
وما زالت الكثير من عائلات المنطقة تحافظ على هذا التراث الجميل، ومنهم من يذهب حتى الى الينابيع الجبلية للتزود بالمياه الصافية والباردة، ويصنع الشاربات بعين المكان وفقا لطقوس الأجداد، وبالمقابل تحرص مديرية التجارة على فرض الرقابة على “الشاربات” الاصطناعية، أي المستخدمة بالمواد الكيماوية وتفرض على باعتها إجراء تحاليل مخبرية تؤكد جودتها وعدم إضرارها بصحة المستهلك.
توجّه نحو تطوير “الشاربات” الاصطناعية
ما يعاب على “الشاربات” الاصطناعية أنّ بعض الباعة يتركونها تتعرض لأشعة الشمس لساعات، وعدم احترام جودة التعبئة بوضعها في أكياس بلاستيكية، وهذا ما زاد من وعي العائلات بضرورة التمسك بالشاربات الأصلية، فهي عادات الأجداد من جهة ومشروب صحي طبيعي خالص ينفعهم.
يندرج نشاط صناعة الشاربات أيضا ضمن الصناعة التحويلية الغذائية، فمن الطبيعي أن تٌحوّل الوفرة أو الفائض في إنتاج الليمون إلى صناعة العصائر الطبيعية بولاية البليدة التي تضم رابع أكبر نسيج صناعي في الوطن، وهذا ما أكّدته ناشطة جمعوية في الصالون الجهوي للحمضيات التي احتضنته البليدة مؤخرا، أمّا المتعاملون الاقتصاديّون يفكّرون في تحويل فائض الإنتاج في الحمضيات لتصنيع مركز البرتقال أو مركز الليمون، فهذا الأخير سيُطوّل إنتاج “الشاربات” ويضمن جودتها في الأسواق، وذلك باستخدام مادة أولية منتجة محليا وتفادي استيرادها.







