بالتزامن مع شهر رمضان المبارك، يتجدّد السؤال لدى آلاف المرضى المصابين بأمراض مزمنة: هل يمكن الجمع بين أجر الصيام وسلامة الجسد؟ وبين شغف العبادة وواجب الوقاية؟
يؤكّد المختصون أن القرار لا يُبنى على العاطفة وحدها، بل على تقييم طبي دقيق يراعي خصوصية كل حالة، فالصيام عبادة عظيمة، لكنه في الوقت ذاته مسؤولية صحية تتطلب وعيًا وتنظيمًا.
السكري في صدارة الحالات الحسّاسة
يُعدّ مرضى السكري من أكثر الفئات عرضة للمضاعفات خلال شهر رمضان، خاصة في حال غياب الاستشارة الطبية المسبقة، فالتغير المفاجئ في مواعيد الأكل والنوم، والامتناع الطويل عن الطعام والشراب، قد يؤدي إلى انخفاض حاد في نسبة السكر في الدم، أو إلى ارتفاع خطير بعد الإفطار نتيجة الإفراط في الحلويات والمقليات.
ويؤكّد المختصون أن أهم خطوة هي إعادة ضبط جرعات الأنسولين أو الأقراص الخافضة للسكر، وتحديد أوقات جديدة لتناولها بما يتناسب مع وجبتي الإفطار والسحور، إضافة إلى ضرورة قياس مستوى السكر بانتظام، خاصة في الأيام الأولى من الشهر.
أمراض القلب والضّغط..توازن دقيق
مرضى ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب بدورهم مطالبون بالحذر، فالتغيير في مواعيد الأدوية قد يؤدي إلى اضطراب في الضغط أو تسارع في ضربات القلب، كما أن قلة شرب الماء بين الإفطار والسحور قد تزيد من خطر الجفاف، خصوصًا لدى كبار السن.
ويحذّر الاطباء من أن عدم الالتزام بتعديل الجرعات أو الإفراط في تناول الأطعمة المالحة والدسمة قد يفضي إلى ارتفاع مفاجئ في الضغط أو مضاعفات قلبية تستدعي تدخلاً عاجلاً.
رمضان بين العبادة والصّحة..رؤية طبية
ومن جهة ثانية، تقول الدكتورة أمينة زعيمي مختصة في التغذية إن شهر رمضان يعد فرصة روحية عظيمة، لكنه كذلك محطة مهمّة لإعادة ضبط نمط حياتنا الصحي، فمن الناحية الطبية يمنح الصيام الجسم فترة راحة فسيولوجية تمتد لساعات، ما يساعد على تحسين حساسية الأنسولين، وتنظيم مستوى السكر في الدم لدى الأشخاص الأصحاء، كما يساهم في تحفيز عمليات حرق الدهون والتخلّص من بعض السموم الناتجة عن الاستقلاب، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الصيام المتقطّع، وهو نظام يشبه في مبدئه صيام رمضان، قد يكون له دور في تحسين مؤشرات القلب والشرايين إذا تمّ بطريقة متوازنة، لأنه يؤثر في مسارات خلوية مرتبطة ببروتين يُعرف باسم mTOR، كما ينشّط ظاهرة الالتهام الذاتي الخلوي وهي آلية طبيعية تساهم في تجديد الخلايا والتخلّص من الخلايا التالفة أو الملتهبة أو الهرِمة، ما يدعم نظام الدفاع الداخلي للجسم وقد يؤخّر بعض مظاهر الشيخوخة.
غير أن الفوائد الصحية تبقى مشروطة بحسن التدبير الغذائي؛ فالإفراط في السكريات والدهون عند الإفطار قد يحوّل الشهر الفضيل إلى سبب لاضطرابات هضمية وزيادة في الوزن، وينصح الأطباء بالبدء بالتمر والماء، ثم تناول وجبة متوازنة تحتوي على الخضر، البروتينات، والنشويات المعقولة، مع شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، كما يُستحسن تجنّب السهر المفرط حفاظًا على الساعة البيولوجية.
أمّا المرضى المصابون بالأمراض المزمنة كداء السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، فينبغي لهم استشارة الطبيب قبل الصيام لتعديل الأدوية وضبط الجرعات، فالصيام عبادة لا تكتمل إلا بصون الصحة، والاعتدال هو مفتاح الاستفادة الروحية والجسدية معًا.
متى يكون الإفطار ضرورة؟
يشدّد الأطباء على أن هناك حالات يُمنع فيها الصيام طبيًا، من بينها عدم استقرار مستويات السكر في الدم، حالات فشل القلب أو الكلى المتقدمة، والمرضى الذين يحتاجون إلى جرعات دوائية متعددة خلال النهار لا يمكن تأجيلها، وفي مثل هذه الحالات، يكون الإفطار حفاظًا على النفس، وهو مبدأ أقرّته الشريعة الإسلامية رفعًا للحرج ودفعًا للضرر.
وقد أجمع الأطباء على أن الوقاية تبدأ باستشارة طبية قبل حلول الشهر الكريم، تليها خطوات عملية: نظام غذائي متوازن، الإكثار من شرب الماء بين الإفطار والسحور، مراقبة المؤشرات الصحية بانتظام، والتوقف عن الصيام فور ظهور أعراض مقلقة كالإغماء، أو آلام الصدر، أو الهبوط الحاد في السكر.
ويظل رمضان شهر رحمة وتزكية للنفس، لا شهر معاناة ومخاطرة، فالصيام الذي يهدد صحة المريض ليس مقصودًا، والوعي الصحي هو الجسر الذي يحقق التوازن بين صفاء الروح وسلامة الجسد، حتى يعيش المرضى المزمنون هذا الشهر الفضيل في أمان وعافية.






