كتب المدوّن معمر بن سونة المختص في التراث حول النصفية لشهر رمضان، أي ليلة اليوم الخامس عشر منه، والتي كان السلف يخصها ببعض العادات والتقاليد من باب التفاؤل من جهة، ولجعلها معلما لحساب باقي أيام الشهر أي من أجل التقويم.
لأنّ الحاجة وليدة الاختراع، فقد كان لزاما على أجدادنا أن يضعوا معلما لهم، في زمن لم يكن يوجد فيه لا رزنامة ولا وسائل الإعلام الجماهيرية مثل المذياع والتلفزيون والجرائد، ولا وسائط التواصل الاجتماعي التي جعلت من العالم قرية صغيرة.
هذا ما تطرّق إليه ذات المختص بن سونة، مؤكدا في منشوره بأن عادات ليلة النصف من رمضان تختلف من منطقة إلى أخرى لبلادنا العزيزة، غير أن روحها واحدة، فعدة روابط مشتركة تجمعهم أهمها الدين وتقديس رمضان، واستغلال أيامه المعدودة لعمل الخير والتقرب من الله.
الاحتفال بالنصفية من رمضان يقتضي تحضير مائدة إفطار استثنائية بطبق تقليدي مصدره الحبوب، وبالأحرى العجائن التقليدية مثل الكسكسي، الرشتة، شخشوخة، فطاير، مقارون لعمة وغيرها، وتختلف بحسب كل منطقة. وتلمّ هذه المائدة شمل العائلة التي تجتمع حول هذا الطبق التقليدي، ويهدون منه للأحباب والجيران لإكرامهم، كما يدعون الأهل والأحباب للإفطار جماعة.
ومن بين عادات النصفية التي ما زالت مستمرة لغاية وقتنا، تصويم الطفل الصغير لأول مرة إما نصف يوم أو يوم كامل، ولو أن بعض المناطق مثل البليدة تسعى كي يصوم الطفل يوما كاملا ليلة السابع والعشرين من رمضان.
يقول السيد بن سونة حول تعويد الأطفال على الصيام: «هو صيام رمزي يدخل فيه الصبي إلى المجتمع المسلم وإلى أمة الإسلام، وعند إفطار الصبي يوضع عادة في مكان عال: فوق سقف المنزل، فوق سلم، فوق رف المطبخ، فوق وسادات، كرمزية لعلو قدره وشأنه، وتحضّر له عادة شاربات خاصة من ماء وماء الزهر وسكر وقرفة، تقدم له في كأس جميلة، ويوضع فيها خاتم أو قطعة من فضة حتى يكون إسلامه نقيا صافيا كإسلام آبائه وأجداده».
ومن عادات البليدة خلال ليلة النصف من رمضان، تحضير حلويات تقليدية مثل محنشة، صامصة، سيڨار، قطايف، محلبي، ڨريوش، مقروط…والسهر مع الأهل والأحباب من باب التفاؤل بشهر حلو وسنة مباركة، وقراءة «البوقالات» وهي عادة قديمة جدا تمارسها النساء بوضع خاتم في إناء من طين وفخار، وغالبا ما تقرأ المرأة الأكبر سنا ابتهالات وأدعية وهي تتوسط النساء الشابات لاسيما العازبات الراغبات في الزواج.
ومن العادات أيضا أن تستغل العائلات في البليدة قدسية الشهر المعظم، فتحرص خلال ليلة المنتصف منه بختان الأطفال تطبيقا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالختان أيضا يرمز لدخول الصبي إلى أمة الإسلام، وتصاحبه عادات وتقاليد رائعة: وضع الحناء للطفل، تحضير الحلويات، دعوة الأهل والأقارب، شراء لباس تقليدي جميل للطفل.
فيما يخص الجانب الروحي، فإن عادات البليديين في النصفية التطويل في صلاة التراويح حتى منتصف الليل، والإكثار من الدعاء وتلاوة القرآن، بل كان بعض السلف الصالح يختم قراءة المصحف الشريف في هذه الليلة، لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن عادة تطويل صلاة التروايح اندثرت.





