تنويـع المصـادر وتعزيــز الاستثمار في مختلـف القطاعـات
يسجّل الاقتصاد الجزائري مؤشّرات إيجابية في الآونة الأخيرة، بحسب تقارير البنك الإفريقي للتنمية، ما يعكس تحسّنا تدريجيا في الأداء الاقتصادي وتنوع مصادر الدخل، وهو ما يؤكّد دخول البلاد مرحلة جديدة من الديناميكية الاقتصادية القائمة على تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز الاستثمار في مختلف القطاعات.
قال الخبير الاقتصادي سليمان ناصر في تصريح لـ«الشعب”، أنّ تصنيف الجزائر من بين أفضل الاقتصادات في إفريقيا، لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة مجموعة من المؤشّرات الإيجابية التي سجّلها الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة، فالجزائر تشهد اليوم ديناميكية واضحة من خلال إطلاق مشاريع كبرى، خاصة في قطاع المناجم، على غرار استغلال منجم الحديد غارا جبيلات وربطه بشبكة السّكك الحديدية نحو تندوف وبشار، إضافة إلى مشاريع الفوسفات في تبسة، ومناجم الرصاص والزنك.
وأضاف أيضا، هذه المشاريع لا تساهم فقط في زيادة الإنتاج، بل تساعد أيضا على توفير مناصب شغل جديدة وتنشيط التنمية في مختلف المناطق، خاصة في الجنوب، وأكّد أنّ التوجه نحو استغلال الثروات الطبيعية بشكل أفضل سيساعد الجزائر على تنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على المحروقات، ما يعزّز فرص تحقيق نمو مستقرّ في السنوات المقبلة.
وأشار سليمان ناصر، إلى التطور الملحوظ في القطاع الفلاحي، من خلال مشاريع إنتاج الحبوب والبقوليات، إلى جانب شراكات دولية، مثل مشروع إنتاج القمح مع شركاء إيطاليين في تيميمون، ومشروع إنتاج الحليب المجفّف مع شركة “بلدنا” القطرية في أدرار، هذه المشاريع، إلى جانب ارتفاع صادرات الغاز في ظل الأزمات الدولية، ساهمت في تعزيز مداخيل البلاد.
كل هذه العوامل دفعت البنك الإفريقي للتنمية إلى توقّع نمو اقتصادي في حدود 3.9 بالمائة سنة 2026 و4 بالمائة في 2027، كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أنّ الجزائر أصبحت رابع أكبر اقتصاد في إفريقيا من حيث الناتج الداخلي الخام بتعادل القوة الشرائية، وهو ما يعكس تحسّنا واضحا في الأداء الاقتصادي، ومن المنتظر أن يستمر هذا المنحى الإيجابي خلال السنوات القادمة.
أمّا بخصوص تأثير هذا النمو على معيشة المواطن، فمن الطبيعي -يضيف المتحدث- أن ينعكس تحسّن الناتج الداخلي الخام على الدخل الفردي، كما أنّ تراجع معدل التضخّم من مستويات مرتفعة إلى حدود 2-3 بالمائة مؤخّرا سيساهم في تحسين القدرة الشرائية، إضافة إلى ذلك، فإنّ الزيادات في الأجور خلال السنوات الأخيرة تدعم هذا التوجه، ما يعني أنّ المواطن سيبدأ تدريجيا في جني ثمار هذا النمو.
ما يجب التأكيد عليه، أنّ هذا التحسّن لن يكون فوريا، بل يحتاج إلى بعض الوقت حتى تظهر نتائجه بشكل واضح في الحياة اليومية، كما يبقى تحسين مستوى الخدمات، وخلق فرص عمل جديدة، والتحكّم في الأسعار من بين العوامل الأساسية التي تعزّز هذا الأثر الإيجابي.
وفيما يتعلق بتقليل الاعتماد على النفط والغاز، أوضح الخبير، أنّ المشاريع الخاصة بمجالي الصناعة والفلاحة، تمثل خطوة مهمة نحو تنويع الاقتصاد، ليس بالخروج الكلي من المحروقات، بل بتقليص الاعتماد عليها تدريجيا، وأضاف أنّ تنويع مصادر الدخل الوطني سيساهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتقليل تأثّره بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية.
أمّا عن أهم العوامل التي ساعدت الجزائر على تحقيق هذه النتائج، قال سليمان ناصر، إنها تتمثل أساسا في المشاريع الكبرى في قطاعات المناجم، الصناعة، والفلاحة، إلى جانب تطوير البنية التحتية، خاصة في مجال النقل والسكك الحديدية. كما ارتفعت مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج الداخلي الخام إلى حوالي 15 بالمائة، وهو مؤشّر مهم على التنويع الاقتصادي.
وأضاف الخبير، أنّ ارتفاع مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج الداخلي الخام إلى حوالي 15 بالمائة، يدل على تقدّم مهم في مسار تنويع الاقتصاد الوطني، فهذا القطاع لم يعد نشاطا تقليديا فقط، بل أصبح يلعب دورا أساسيا في توفير الغذاء، وخلق فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة مع الجهود المبذولة لتطوير الفلاحة وتحسين الإنتاج.
وأكّد ناصر، يمكن تعزيز هذه النتائج مستقبلا من خلال مواصلة الاستثمار بنفس الوتيرة، سواء في استغلال الموارد المنجمية أو في تطوير قطاع الطاقة، خاصة وأنّ شركة سوناطراك رصدت استثمارات معتبرة في مجال الاستكشاف والتنقيب إضافة إلى ذلك، فإنّ دعم المشاريع الصناعية والفلاحية سيساهم في الحفاظ على هذا النمو وتعزيزه.
وأفاد في ذات السياق، أنّ استمرار هذه الديناميكية سيمكّن الجزائر من تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتحسين موقعها ضمن الاقتصادات الإفريقية، مع انعكاسات إيجابية تدريجية على معيشة المواطن، سواء من خلال تحسين فرص العمل أو رفع الدخل وتحسين القدرة الشرائية بشكل عام.
وعليه، يظهر أنّ الاقتصاد الجزائري يسير في اتجاه إيجابي بفضل المشاريع الجديدة وتنويع النشاطات، وإذا استمر هذا التطور، فمن المتوقّع أن يتحسّن الوضع الاقتصادي أكثر في المستقبل، مع تعزيز مكانة الجزائر في إفريقيا، وتحقيق نتائج أفضل تنعكس تدريجيا على المستوى المعيشي للمواطن.





