التحكّم في الاستهلاك سيوفـر 8 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا للتصدير
رفع إنتـــاج الغــاز إلى 160 مليــار متر مكعب.. هامــش مالي يدعـم الانتقال الطاقـــوي
الجزائـــر شريك استراتيجي موثــوق فـــي ظــل اضطـــراب ممرّات الطاقـــة العالميـــة
ثمّن الدكتور مفلاح عيسى ما جاء في اجتماع الحكومة حول إنشاء الوكالة الوطنية للفعالية الطاقوية والتحكّم في الطاقة، معتبرا أنّ دمج هيئتي الوكالة الوطنية لترقية وترشيد استعمال الطاقة ومحافظة الطاقة المتجدّدة والفعالية الطاقوية، يهدف إلى توحيد الصلاحيات وتعزيز التنسيق بين إنتاج الطاقة النظيفة وترشيد الاستهلاك، بما يحسّن كفاءة التسيير العمومي ويساعد على مواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء، الذي تجاوز 19 ألف ميغاواط.
قال الدكتور مفلاح في تصريح لـ«الشعب» إنّ قرار الدمج يستند إلى ضرورة القضاء على تداخل المهام وتشتّت الموارد البشرية والتقنية بين الهيئتين، حيث كانت (APRUE) تركّز تاريخيا على البرامج الميدانية لترشيد الاستهلاك، بينما تضطلع (CEREFE) بمهام التخطيط الاستراتيجي ودراسات الهيدروجين.
ومع إنشاء الوكالة الوطنية للفعالية الطاقوية والتحكّم في الطاقة، يمكن إنشاء إطار مرجعي موحّد يحدّد المعايير التقنية الواجب احترامها في مختلف القطاعات، خاصة في مواد البناء لضمان العزل الحراري واستدامة المنشآت، ومن الناحية العلمية، سيوفّر هذا الكيان منصة رقمية موحّدة لمتابعة البرنامج الوطني للتحكّم في الطاقة، ممّا يسهّل عملية التدقيق الطاقوي للمنشآت الصناعية الكبرى، التي تستهلك حصصا معتبرة من الوقود.
كما تهدف هذه الخطوة -بحسبه- إلى تعزيز مرصد التحكّم في الطاقة لتقديم بيانات لحظية دقيقة عن أنماط الاستهلاك، ممّا يدعم اتخاذ قرارات مبنية على النمذجة الرياضية بدلا من التقديرات الاحتمالية، وهو أمر حيوي لضمان الأمن الطاقوي الوطني في ظل نمو الطلب المحلي بنسبة تتراوح بين 3 إلى 4 المائة سنويا.
أمّا بخصوص الوضعية الحقيقية لمشاريع الطاقة الشمسية في الجزائر بنهاية 2025 وبداية 2026، فإنّ البيانات تظهر أنّ القدرة التشغيلية الفعلية للطاقة المتجدّدة المتصلة بالشبكة الوطنية بلغت 446 ميغاواط فقط بنهاية عام 2025، ومع ذلك، يشهد القطاع حركية ميدانية من خلال وجود 2620 ميغاواط قيد الإنشاء الفعلي بعد استكمال كافة إجراءات الإغلاق المالي، وهي مشاريع تعتمد كليا على تقنية الطاقة الشمسية الكهروضوئية.
تتوزّع هذه القدرات قيد الإنجاز على 15 محطة كبرى، أبرزها محطات في باتنة (220 ميغاواط)، قلتة سيدي سعد (200 ميغاواط)، والعبادلة (80 ميغاواط)، بالإضافة إلى محطة تندلة التي تعد نموذجا للمشاريع التي دخلت حيّز التنفيذ الفعلي مؤخّرا، والهدف الاستراتيجي للدولة هو الوصول إلى 10 جيغاواط بنهاية العقد الجاري، مع استهداف قدرة إجمالية تصل إلى 15 جيغاواط بحلول عام 2035، وتعكس هذه الأرقام فجوة تقنية يتم العمل على تقليصها عبر تسريع وتيرة الإنجاز الميداني لخفض الاعتماد على الغاز الطبيعي.
تعزيز الفعالية الطاقوية وتوفير الغاز
قال مفلاح إنّ اهتمام الحكومة بهذا القطاع يعكس المساهمة الفعالة لبرامج الطاقة في مختلف القطاعات، خاصة ما تعلق بالفعالية الطاقوية في قطاعات السكن والنقل، حيث يمثل قطاع المباني المستهلك الأكبر للطاقة في الجزائر بنسبة 47 بالمائة يليه قطاع النقل بنسبة 28بالمائة، ممّا يجعل التحكّم في هذه القطاعات أولوية تقنية قصوى.
يتضمّن البرنامج الوطني للتحكّم في الطاقة تدابير ملموسة، منها دعم تحويل 50 ألف مركبة للعمل بغاز البترول المسال، والبدء في تقديم مساعدات مالية لشراء السيارات الكهربائية. وفي قطاع السكن، تمّ تخصيص دعم مالي لتركيب سخّانات المياه الشمسية، وأيضا لاستبدال المكيفات القديمة بمعدات عالية الكفاءة الطاقوية.
وتشير التوقّعات العلمية إلى أنّ تنفيذ هذا البرنامج الوطني بكامل طاقته سيوفر للجزائر حوالي 8 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، وهو ما يعادل موارد طاقوية هائلة يمكن توجيهها للتصدير أو للصناعات التحويلية، كما يهدف نظام «البصمة الكربونية» الذي بدأت الدولة في اعتماده إلى تقييم كفاءة المنتجات الصناعية، ممّا يرفع من تنافسيتها في الأسواق الدولية.
الاستثمار الطاقوي والأمن الإقليمي
أقرّت الجزائر خطة استثمارية طموحة بقيمة 60 مليار دولار للفترة الممتدة بين 2025 و2029، تستهدف تطوير موارد الهيدروكربونات والطاقات المتجدّدة في آن واحد، بهدف ضمان استمرارية الإمدادات وتعزيز الاستقلالية الطاقوية، وتندرج ضمن هذه الخطة مشاريع عصرنة البنية التحتية، خاصة مراكز ضغط الغاز بحاسي الرمل، إلى جانب رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى ما بين 150 و160 مليار متر مكعب، ما يمنح البلاد هامشا ماليا وتقنيا مريحا لدعم مسار الانتقال الطاقوي.
كما يشكّل إنشاء الوكالة الوطنية للفعالية الطاقوية في أفريل 2026 خطوة مؤسّساتية مرافقة لهذه الاستثمارات، حيث ستعمل على وضع معايير تقنية موحّدة، وضبط جودة البنية التحتية، وضمان موثوقية المنشآت الطاقوية، كما يساهم هذا الإطار التنظيمي في تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتعزيز نجاعة البرامج الوطنية في التحكّم الطاقوي، خاصة في القطاعات الأكثر استهلاكا.
وبفضل احتياطياتها الكبيرة من الغاز الطبيعي، تعزّز الجزائر-يقول الخبير- موقعها كشريك استراتيجي موثوق، خاصة بالنسبة لأوروبا في ظلّ التحديات الجيوسياسية التي تهدّد ممرّات الطاقة العالمية، كما أنّ المزج بين الاستثمار في المصادر التقليدية والتوسّع في الطاقات المتجدّدة، بقدرة مستهدفة تصل إلى 3200 ميغاواط مع نهاية 2026، ما من شأنه أن يدعم الأمن الطاقوي الإقليمي ويكرّس مكانة الجزائر كفاعل محوري في السوق الدولية للطاقة.
إدارة ذكيــــــــــــة
قال مفلاح نحن كباحثين في مراكز البحث العلمي في الجزائر، أصبح دورنا اليوم يتجاوز الدراسات النظرية، حيث نعمل على تطوير حلول عملية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء للتحكّم في استهلاك الطاقة بشكل أدق، ومن أبرز الأمثلة على ذلك «وحدة تنمية الأجهزة الشمسية» ببوسماعيل، التي طوّرت «مشروع البيت الذكي»، حيث يتم استخدام أنظمة ذكية بدل الأجهزة التقليدية لتقليل استهلاك الطاقة بطريقة آلية وفعالة.
وفي الجنوب، تشتغل مراكز بحث متخصّصة على حلول تناسب طبيعة المناطق الصحراوية، مثل «وحدة البحث في الطاقات المتجدّدة بأدرار» و»وحدة البحث التطبيقي في الطاقات المتجدّدة بغرداية»، هذه المراكز تعمل على تطوير أنظمة طاقة هجينة تجمع بين الشمس والرياح لتزويد المنازل المعزولة بالكهرباء، كما تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة استهلاك الكهرباء وتحسين أداء الألواح الشمسية حتى في الظروف الصعبة.
كما يساهم مركز تطوير الطاقات المتجدّدة ببوزريعة في دعم هذه الجهود، من خلال مشاريع متنوعة في الطاقات النظيفة وترشيد الاستهلاك، وهذا التوجه يعكس تحوّلا مهما من الطرق التقليدية إلى ما يسمى «إدارة البيانات الطاقوية»، حيث يتم استغلال المعلومات والتقنيات الحديثة لاتخاذ قرارات أفضل، بما يعزّز استقلالية الجزائر في مجال الطاقة.





