احتفالية تحوّل القرى إلى متاحف مفتوحة على الجمال العبقري
تشتهر منطقة القبائل بعادة متوارثة من الأسلاف، تتمثل في استقبال فصل الربيع أو “امقار نتفسوث”، هذه العادة التي تحوّلت مع مرور السنين إلى تقليد متوارث يخصّه سكان قرى منطقة القبائل، بالعديد من الطقوس والمظاهر الاحتفالية، التي تضفي عليها جمالا وفرحا، يحول القرى إلى ساحات للفرجة والاحتفال.
«أمقار نتفسوث”.. هو حدث يتنافس فيه سكان مختلف القرى لإحيائه، في مدة زمنية تتراوح ما بين شهر فيفري إلى شهر أفريل، لهذا يختار السكان التاريخ وفق الظروف المساعدة لهم، خاصة الظروف الجوية، حيث يستحب أن تجرى الاحتفالية في يوم مشمس تتجسّد فيه معالم فصل الربيع بامتياز، وتمنح الفرصة للسكان لممارسة الطقوس الاحتفالية بكل اريحية، وسط الحقول الواسعة والخضراء، كون هذه الاحتفالية والتقليد يرتبط ارتباطا وثيقا بالفلاحة، ويرمز إلى الخصوبة وتفتح الزهور والورود.
وداع ليالي الشتاء الباردة
قرية ثاوريرث الحجاج باث يني كانت على موعد مع هذا الحدث، من خلال تنظيم الطبعة الأولى لاحتفالية “أمقار نتفسوث”، ليتجدّد العهد مع عادات وتقاليد المنطقة، التي ظهرت جليا في احتفالية هذه التظاهرة التي حوّلت القرية إلى وجهة الزوار من مختلف ولايات الوطن، وذلك لمعايشة أوقات وأجواء فريدة من نوعها، على إيقاع طقوس احتفالية لا توجد في مناطق أخرى.
في الصباح الباكر فتحت قرية ثاوريرث الحجاج أبواب ونوافذ منازلها، لتستقبل أشعة الشمس الساطعة على المنازل وارجاء القرية والحقول، مودعة البرد القارس لليالي الشتاء الطويلة، ليستبشر السكان بقدوم الربيع ونسمة الهواء الدافئة التي يرافقها الاخضرار ورائحة الزرع والزهور، معلنة انطلاق الرسمي لاستقبال الربيع، وسط الطبيعة الخلابة التي صنعت فسيفساء جمالية، امتزجت فيها لون الحقول الخضراء، ببياض الثلوج على قمم الجبال، التي تعانق عنان السماء الزرقاء، ليتخللها أشعة الشمس الدافئة التي أضفت على المكان دفئا وفرحة.
الاحتفال باستقبال الربيع في منطقة القبائل أشبه بإقامة الأعراس، فلا يخلو من العادات والتقاليد، وهي المهمة التي توكّل للنسوة اللائي يعتبرن حارسات التراث بامتياز، وهذا ما يظهر في التحضيرات التي يقمن بها ويحرصن أن تكون هذه المناسبة ذكرى لا تنسى، في قلوب كل من شهد فعالياتها خاصة الزوار القادمين من خارج المنطقة.
انطلقت الاحتفاليات في قرية ياوزير الحجاج باث يني في أولى ساعات الصباح، حيث تحوّلت القرية إلى متحف ومزارا على الهواء الطلق، امتزجت فيها الحرف التقليدية والفلاحية بالأغاني النسوية الشعبية، التي صدحت حناجرهن عاليا معلنات عن قدوم الربيع على نغم الفرح والبهجة.
لتزاحمهن ورشات الطبخ التقليدي، حيث حضرن أشهى الأطباق التقليدية التي تشتهر بها منطقة القبائل من البغرير والكسرة بمختلف أنواعها، ليلتف الجميع حول طبق الكسكس، خاصة الكسكس بـ«سبعة ايسوفار” والذي تقوم النسوة بتحضيره انطلاقا من مكونات تجود بها الأرض، وهذا ما يعزّز من هذه التظاهرة، التي تحوّلت مع مرور الزمن إلى وجهة ثقافية اجتماعية وسياحية، تستقطب العديد من السياح من مختلف ولايات الوطن وخارجه، كونها فرصة لاكتشاف جمال منطقة القبائل التي تزخر بعادات وتقاليد وتظاهرات ثقافية تغازل عشاق الاستكشاف، وهو الهدف من توسيع هذه التظاهرة التي كانت في السابق حكرا على سكان القرى بمنطقة القبائل.
عادات وتقاليد سكان منطقة القبائل في استقبال الربيع، توغلت في المجتمع القبائلي وأخذت أبعادا كبيرة ارتبطت في جلها بالطبيعة والحقول وبكل ما تجود به الأرض، كما ارتبط بعمق المجتمع حيث لا تفوت النسوة الفرصة لممارسة بعض المعتقدات والطقوس المتوارثة عن الأسلاف، والمتعلقة اساساً بالفتاة العزباء.
فساتين بيضاء..
وتقوم الأمهات بتحضير الفتيات وإلباسهن فساتين بيضاء وبعدها يتوجهن إلى الحقول، أين يقمن بالتدحرج في المروج والحشائش الخضراء وبين الأزهار والورود، على أن يقمن بالاحتفاظ بتلك الفساتين في صناديق خشبية، في رسالة منهن لبلوغهن سن الزواج، هذه العادة اندثرت في العديد من القرى ولكن بقيت البعض منهن فقط تقوم بإحياء هذا التقليد، الذي يضفي على احتفالية استقبال الربيع “امقار تنفسوث” رونقا آخر، حيث تتعالى فيه ضحكات الفتيات والصبايا أمام أعين الأمهات اللائي يرافقن بناتهن في هذه اللحظات، التي تختتم أمام ينابيع المياه لملء الجرار، من اجل ان تغتسل بها الفتيات كفال خير للزواج.
العادات والتقاليد المرتبطة بهذا الحدث تأخذ اشكالاً كثيرة، يشترك فيها الجميع، حيث يتوجّه سكان القرى في اليوم المشهود إلى الحقول والمروج الخضراء، على أن يصطف الأطفال أولا ثم النسوة، ويسير وراءهم الرجال، وعند الوصول يقوم الأطفال بقطف مختلف أنواع الأزهار والورود وإحضارها معهم إلى منازلهم، في حين تقوم النسوة بنزع مختلف الأعشاب الطبية والأعشاب المستعملة في طهي الأطباق التقليدية، اضافة إلى قطع اجزاء من شجرة الدفلة وذلك لتمريرها على كل الزرع لإبعاد الأمراض عنها، والتفاؤل بوفرة الغلة، في حين يتفقد الرجال الزرع الذي يبدأ بالنمو مع أولى أشعة الشمس الساطعة بعد برد قارس وايام وليالي الشتاء الطويلة، ويستبشرون خيرا للانطلاق في عملية غرس وزرع مختلف الأشجار والبذور.




