مـــــن واشنطن إلى باكو ودلهي.. تنوّع الشراكات يعزّز القيمة المضافة
تنامــي الثقة في مناخ الأعمال الجزائري.. إصلاح قانوني ونجاح ميداني
شهد الأسبوع الجاري حركية اقتصادية متنامية ولافتة، كرّست حقيقة أنّ الجزائر تحوّلت إلى قبلة حقيقية للاستثمار، وملاذا آمنا لرؤوس الأموال الأجنبية، بفضل قدرتها على استقطاب كبريات الشركات العالمية في عدة مجالات صناعية وفلاحية وطاقوية، وهذا ما تمّ تسجيله على مستوى العديد من القطاعات الاقتصادية الحيوية الصناعية والطاقوية، ما أكّد نجاح الجزائر في تكريس موقعها كوجهة استثمارية صاعدة بثقة دولية متزايدة.
تنامي الثقة في البيئة الاستثمارية الجزائرية تحوّل إلى حقيقة تعكسها مؤشّرات ميدانية متسارعة، وحركية اقتصادية لافتة خلال الأيام الأخيرة، كرّست موقع الجزائر كوجهة مفضّلة لرؤوس الأموال، وقطب جذب للشركات الدولية الباحثة عن أسواق مستقرّة وواعدة.
يأتي هذا التحوّل في سياق مسار إصلاحي متكامل للجزائر نجح في إعادة بناء الثقة، وتحسين مناخ الأعمال، وتوجيه الاقتصاد نحو مزيد من التنويع والانفتاح، بما يواكب التحوّلات العالمية ويستجيب لمتطلّبات الاستثمار الحديث.
وقد عكست هذه الديناميكية اهتماما متزايدا من طرف المتعاملين الاقتصاديين الدوليين، حيث أبدت أزيد من مائة شركة إسبانية، تنشط أساسا في منطقة فالنسيا، رغبة واضحة في ولوج السوق الجزائرية، في مؤشّر يعكس عودة قوية للزّخم الاقتصادي بين البلدين، مدفوعا باستئناف المبادلات التجارية وتحسّن العلاقات الثنائية.
مرحلة جديدة من الانفتاح
يعزّز الموقع الجغرافي للجزائر هذا الاهتمام، باعتبارها حلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وعمق القارة الإفريقية، بالإضافة إلى مكانتها كمورّد رئيسي للطاقة، وهو ما يمنحها أفضلية تنافسية تجعلها منصة طبيعية للاستثمار والتوسّع نحو أسواق أوسع، كما أنّ تنوّع الشركات الإسبانية المهتمة، من الصناعات الغذائية إلى الدهانات والبلاستيك والأثاث والعديد من الصناعات، يعكس اتساع مجالات الجذب، وعدم اقتصارها على قطاع دون آخر، بما يؤكّد أنّ الاقتصاد الوطني دخل مرحلة جديدة من الانفتاح القطاعي.
في سياق متصل، يعكس التقارب الجزائري- الأذري، في قطاع الطاقة، توجّها واضحا نحو توسيع الشراكات الدولية، خاصة في مجالات الطاقات المتجدّدة التي أصبحت تمثل محورا استراتيجيا في السياسة الطاقوية الوطنية، ويبرز في هذا الإطار التقدم المحرز في برنامج تطوير الطاقات النظيفة، وعلى رأسه مشروع إنتاج 15 ألف ميغاواط، إلى جانب التوجّه نحو الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرّياح، في مسعى يعزّز موقع الجزائر كفاعل محوري في الانتقال الطاقوي على المستويين القاري والدولي.
يؤكّد الاهتمام الأمريكي المتزايد بالسوق الجزائرية، من خلال تصريحات نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو، أنّ مناخ الأعمال في الجزائر يشهد تحسّنا نوعيا، يقوم على الثقة والاستقرار، ويشجّع على إقامة شراكات طويلة المدى. ويعكس هذا التوجه كذلك عمق العلاقات الثنائية، خاصة في قطاع المحروقات، مع آفاق واعدة لتوسيع التعاون نحو مجالات الصناعة التحويلية، والتكنولوجيا، والبحث والتطوير، بما يعزّز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
في هذا الإطار، تبرز الاستراتيجية الجزائرية لتطوير قطاع المحروقات كرافعة أساسية لجذب الاستثمار، حيث تقوم على تكثيف الاستكشاف، ورفع قدرات الإنتاج، وتثمين الموارد، إلى جانب تطوير الصناعات البتروكيميائية وتعزيز المحتوى المحلي، كما تعمل الجزائر على توفير بيئة استثمارية محفّزة، من خلال إطار قانوني مرن وإجراءات مبسّطة، ومرافقة فعالة للمستثمرين، ما يمنح المشاريع بعدا عمليا ويقلّص من العراقيل البيروقراطية.
ولا يقتصر هذا الزّخم على القطاعات التقليدية، بل يمتد إلى مجالات متقدّمة، على غرار الصناعة الصيدلانية التي شهدت توقيع اتفاقية لنقل تكنولوجيا مبتكرة لإنتاج لقاحات بروبيوتيك لأول مرّة في الجزائر مع الشريك الهندي، وهو ما يعكس توجّها واضحا نحو توطين المعرفة وتعزيز السيادة الصحية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار في الصناعات ذات القيمة العلمية العالية.
منصّة للاستثمار طويل المدى
تتشكّل ملامح مرحلة اقتصادية جديدة في الجزائر، قوامها الثقة المتصاعدة، والانفتاح المدروس، وتكامل الأدوار بين القطاعات، بما يجعل من الاستثمار مسارا استراتيجيا لبناء اقتصاد متنوّع وقادر على خلق القيمة.
في ظل الحركية المتسارعة، تبدو الجزائر أكثر استعدادا لترسيخ موقعها كمنصة إقليمية للاستثمار، وقاطرة اقتصادية صاعدة في محيطها الإفريقي والمتوسطي، برؤية تقوم على الاستدامة، والشراكة، وتحويل الإمكانات إلى إنجازات ملموسة.
يعكس تنامي الثقة في البيئة الاستثمارية الجزائرية نجاح مسار الإصلاحات التشريعية والاقتصادية التي انتهجتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، حيث تمّ إرساء منظومة قانونية أكثر مرونة وشفافية، قوامها تبسيط الإجراءات، إزالة العراقيل البيروقراطية، وتعزيز مرافقة المستثمرين عبر هيئات متخصّصة، ما ساهم في تحسين مناخ الأعمال وجعل الاستثمار أكثر جاذبية واستقرارا.
ولم تقتصر هذه الإصلاحات على الجانب القانوني وحده، فقد امتدت إلى إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو التنويع، وتشجيع الإنتاج المحلي، وفتح المجال أمام الشراكات الدولية المتنوعة، وهو ما منح الاقتصاد الوطني ديناميكية جديدة قائمة على خلق القيمة بدل الاعتماد الأحادي على الموارد التقليدية.
في ظلّ هذه التحوّلات، تتّجه الجزائر نحو صدارة الوجهات الاستثمارية في المنطقة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي، وعمقها الإفريقي، وتطوّر بنيتها التحتية، إلى جانب استقرارها السياسي وتوفّرها على موارد طبيعية وبشرية معتبرة. وهذا المزيج جعل منها منصة اقتصادية إقليمية صاعدة، تستقطب اهتمام كبريات الشركات الدولية التي ترى فيها فضاءً واعدا للتوسّع والاستثمار طويل المدى. كما أنّ تزايد الشراكات في قطاعات الطاقة، الصناعة، والتكنولوجيا، يعكس انتقال الجزائر من مرحلة استقطاب الاستثمارات إلى مرحلة توجيهها نحو مجالات نوعية، بما يعزّز مكانتها كفاعل اقتصادي مؤثّر وقاطرة تنموية في محيطها الإقليمي.

