لم تعد الغيابات المتكررة في أقسام السنة الثالثة ثانوي مجرد حالات معزولة أو سلوكيات مرتبطة بالاستهتار، فقد أضحت في الأشهر الأخيرة مؤشرا مقلقا على ما يسميه المختصون بـ “الرفض المدرسي”، وهو انسحاب نفسي تدريجي يصيب بعض التلاميذ تحت وطأة ضغط الامتحانات المصيرية، وعلى رأسها شهادة البكالوريا.
في عدد من الثانويات بقسنطينة، تتكرر مشاهد المقاعد الشاغرة في وقت يفترض أن يكون فيه الحضور مكثفا استعدادا للامتحان الفاصل في المسار الدراسي، خلف هذه المقاعد الفارغة قصص صامتة لتلاميذ أنهكهم القلق، ولم يجدوا وسيلة للتعبير عنه سوى الغياب.
السيدة ليلى، وليّة تلميذ يدرس شعبة علوم تجريبية، تؤكد أن الأمر لم يبدأ باستهتار كما اعتقدت في البداية، بل بخوف متراكم، وتقول إن ابنها أصبح منذ بداية الفصل الثاني يرفض الذهاب إلى الثانوية، ويبكي صباحا ويشتكي من آلام في المعدة كلما اقترب موعد الفروض، تضيف أنه تلميذ مجتهد، لكن كلمة “بكالوريا” تحولت في ذهنه إلى مصدر رعب حقيقي، إذ يخشى أن يخيب ظن عائلته إذا لم يحقق المعدل المنتظر.
هذه الشهادة تتكرّر بصيغ مختلفة لدى أولياء آخرين، يجمعون على أن الضغط النفسي يتضاعف كلما اقترب موعد الامتحان، خاصة في ظل الحديث المستمر عن المعدلات والتوجيهات الجامعية والمقارنات بين التلاميذ داخل العائلة الواحدة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتوضّح الأخصّائية النفسية العيادية وفاء لعور، أن الرفض المدرسي ليس تمرّدا ولا كسلا، بل هو استجابة نفسية لضغط يفوق قدرة التلميذ على التحمل، وتشير إلى أن بعض المراهقين عندما يشعرون بأن الامتحان يحدّد قيمتهم كشخص، يدخلون في دائرة قلق حاد قد تظهر في شكل أعراض جسدية حقيقية، مثل الصداع وآلام البطن واضطرابات النوم، فيصبح الغياب آلية دفاعية للهروب من مصدر التوتر، لتضيف أن الفئة الأكثر عرضة لذلك ليست بالضرورة الأضعف دراسيا، بل أحيانا الأكثر اجتهادًا وطموحًا، لأنهم يضعون لأنفسهم سقف توقعات مرتفعا جدا.
من جهتهم، يلاحظ أساتذة في الطور الثانوي أن الظاهرة ترتبط بتراكم عدة عوامل، فالبكالوريا ما تزال تقدم اجتماعيًا باعتبارها محطة مصيرية لا بديل عنها، والبرنامج الدراسي مكثف، والدروس الخصوصية تستنزف الوقت والجهد، كما أن المنافسة بين التلاميذ أصبحت أكثر حدة.
وتؤكد أستاذة لغة عربية بإحدى ثانويات المدينة الجديدة علي منجلي، أن بعض التلاميذ ينهارون نفسيًا مع أول تعثر بسيط، فيغيبون أياما قبل الفروض ثم يعودون أكثر توترا، وكأن الغياب لم يكن سوى محاولة مؤقتة لتأجيل المواجهة.
وفي ثانوية بوسط مدينة قسنطينة، أفاد مستشار التربية أن الإدارة سجّلت خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في طلبات الغياب المبررة بشهادات طبية تتعلق بآلام معدية أو اضطرابات نوم، مضيفا أن التواصل مع الأولياء كشف في كثير من الحالات عن قلق مفرط مرتبط بالتحضير للبكالوريا أكثر منه بمرض عضوي فعلي، مؤكدا أن المؤسسة تحاول احتواء الوضع عبر جلسات توجيه وتحسيس، غير أن الإمكانيات تبقى محدودة أمام اتساع الظاهرة، وفي كثير من الحالات لا يدرك الأولياء أنهم يساهمون في تعميق الضغط، وإن كان ذلك بحسن نية، إذ تتحول عبارات التحفيز المشروطة بالمعدل المرتفع إلى عبء نفسي ثقيل، فحين يشعر المراهق أن نجاحه ليس مطلبا دراسيا فحسب بل شرطا للقبول الاجتماعي داخل أسرته، يصبح الخوف من الفشل أكبر من قدرته على المواجهة.
يرى مختصون أن معالجة الظاهرة تبدأ بالاستماع الجاد للتلميذ، وفهم مخاوفه بدل اتهامه بالكسل أو التمرد، كما أن إعادة تنظيم برنامج المراجعة وتخصيص فترات راحة حقيقية يمكن أن يخففا من حدة الاحتقان النفسي، في حين تبقى المرافقة النفسية ضرورية في الحالات التي تستمر فيها الأعراض لفترة طويلة.
تبقى شهادة البكالوريا محطة مهمة في المسار الدراسي، لكنها ليست نهاية الطريق ولا المقياس الوحيد للنجاح في الحياة. التحدي اليوم لا يكمن فقط في تحضير التلاميذ علميا، بل في توفير بيئة نفسية آمنة تساعدهم على عبور هذه المرحلة بثقة وتوازن، فالخوف الصامت داخل أقسام النهائيات قد يكون أخطر من أي تعثر دراسي، لأنه يمس ثقة المراهق بنفسه في مرحلة عمرية دقيقة تحتاج إلى الاحتواء أكثر من المحاسبة.



