نمـــوذج تشاركي جديد بين المؤسّسات الصناعية وقطاعي المالية والتأمين
إرســـــاء ثقافــة «الأمـــن الشامـل».. رهان استدامة الاستثمارات الصناعية
أكّد مشاركون في اليوم الدراسي المنظم من طرف الشركة الجزائرية القطرية للصلب، والموسوم بـ»حوكمة المخاطر والأمن الشامل في صميم الأداء ومرونة المؤسّسات»، أنّ التحولات المتسارعة التي تعرفها البيئة الصناعية تفرض على المؤسّسات إعادة صياغة مقارباتها التقليدية في إدارة المخاطر، والانتقال نحو نماذج أكثر تكاملا ونجاعة تضمن الاستمرارية والقدرة على التكيّف.
أوضح المتدخّلون، في ختام أشغال هذا اللقاء، الذي جمع خبراء ومهنيين وممثلين عن عدد من الفاعلين في المنظومة الصناعية والمالية والتأمينية، أنّ تعقّد الأنظمة الإنتاجية وتسارع الرّقمنة وتنامي التهديدات الجديدة، لاسيما المرتبطة بالأمن السيبراني وسلاسل الإمداد، جعل من النماذج الكلاسيكية القائمة على الامتثال وردّ الفعل أدوات غير كافية لمواجهة المخاطر المركّبة والمتشابكة.
في هذا السياق، شدّد المشاركون على ضرورة تبني نموذج حديث للحوكمة المندمجة للمخاطر، يقوم على إدماج وظائف الأمن الداخلي والسلامة الصناعية في صلب القرار المؤسّسي، بدل حصرها في أدوار تنفيذية أو رقابية محدودة، بما يسمح بتعزيز قدرات الاستشراف والاستباق وضمان استمرارية النشاط في مختلف الظروف.
كما أبرزت التوصيات أهمية اعتماد مقاربة القرار المبني على المخاطر، من خلال إدراج تقييمات المخاطر ضمن القرارات الاستراتيجية والتشغيلية، بما يمكّن المؤسّسات من توجيه استثماراتها وتحديد أولوياتها على أسس علمية دقيقة، مع تقليص الخسائر المحتملة ورفع مستويات الكفاءة.
دعا المتدخّلون كذلك، إلى تطوير أنماط الحوكمة الداخلية للمؤسّسات الصناعية، عبر تحقيق تكامل فعلي بين دوائر الإنتاج والسلامة والمالية والتأمين، بما يضمن رؤية شاملة للمخاطر ويمنع تشتّت المسؤوليات أو تضارب القرارات داخل المؤسّسة الواحدة.
في محور المرونة المؤسّسية، تمّ التأكيد على أنّ المؤسّسات الناجحة مستقبلا ستكون تلك القادرة على التوقّع والامتصاص والتكيّف مع الصدمات، سواء تعلّق الأمر بالأزمات الصناعية أو التقلّبات الاقتصادية أو الهجمات السيبرانية أو الاضطرابات اللوجستية، وهو ما يستوجب الاستثمار في أنظمة إنذار مبكّر وخطط استجابة فعّالة.
كما تم التشديد على أهمية الانتقال نحو أنظمة تنبّؤية حديثة تعتمد على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، بما يسمح بالكشف المبكّر عن مؤشّرات الخطر واتخاذ الإجراءات الوقائية قبل وقوع الأزمات، بدل الاكتفاء بالتدخّل بعد حدوثها.
وفي الجانب التنظيمي، دعا المشاركون إلى مراجعة وتحديث الأطر القانونية والتشريعية بما يتماشى مع التحولات الصناعية والتكنولوجية الراهنة، خاصة ما تعلق بحماية البيانات، الأمن السيبراني، معايير السلامة الصناعية، ومسؤوليات مختلف المتدخّلين في إدارة المخاطر.
كما تمّ التأكيد على ضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسّسات الصناعية والهيئات المالية وشركات التأمين، لبناء نموذج تشاركي جديد يقوم على تقاسم المسؤولية وتكامل الأدوار، بما يساهم في تحسين مناخ الأعمال وتقوية جاذبية الاستثمار الصناعي.
وخلص المشاركون إلى أنّ الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بتطوير الأدوات والإجراءات، بل بإرساء ثقافة مؤسّساتية جديدة تجعل من إدارة المخاطر ركيزة أساسية للحوكمة ومحرّكا رئيسيا للأداء والاستدامة، في ظل بيئة اقتصادية تتّسم بتزايد التعقيد وتسارع المتغيّرات.
