عراقة العلاقات بين البلدين العظيمين تفتح آفاقـــــا اقتصادية واعـــــدة
احترام متبادل.. مصالح مشتركة وتوافق حول آليات مكافحة الإرهــاب
تشهد العلاقات الجزائرية الأمريكية الممتدة في التاريخ، زخما ممتدا من خلال تعزيز التعاون الثنائي في عديد المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وهو ما أعرب عنه نائب كاتب الدولة الأمريكية، كريستوفر لاندو، خلال زيارته للجزائر، والذي أكّد تطلّع بلاده إلى استغلال الإمكانات الهائلة للبلدين، وتسخيرها لخدمة الشعبين الجزائري والأمريكي، معتبرا أنّ هذا التطور «نقطة تحول في العلاقة بين بلدين عظيمين».
سمح النهج السياسي والاقتصادي للجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بجعل الجزائر فاعلا إقليميا أساسيا في معادلتي الأمن والأمن الطاقوي، وهو ما تُرجم في استقطاب كبار المستثمرين الاقتصاديين في العالم، كما أنّ مواقفها السياسية الثابتة والواضحة من عديد القضايا الدولية، أكسبتها احتراما دوليا، وجعلتها طرفا موثوقا مأمون الجانب، وقد تُرجمت تلك المكانة في توالي الزيارات المرموقة، باعتبار الجزائر فاعلا إقليميا يجب استشارته فيما تعلّق بالقضايا التي تخص المنطقة المغاربية والساحل والصّحراء، وفضاءً واعدا للاستثمارات الأجنبية.
ولعلّ من أهم الفاعلين الدوليين، الولايات المتحدة الأمريكية التي أوفدت نائب كاتب الدولة كريستوفر لاندو، إلى الجزائر لتباحث قضايا مشتركة مسّت مجالات الاقتصاد والأمن، أين أعرب عن تطلّع بلاده لتعزيز التعاون في مختلف المجالات من أجل مصلحة الشعبين الجزائري والأمريكي، مستحضرا في ذلك عمق العلاقات الثنائية التي تعود إلى قرنين ونصف، عندما كانت الجزائر من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وأقامت معها علاقات دبلوماسية.
إمكانات قيد الاستغلال
في الجانب الاقتصادي، أكّد كريستوفر لاندو، أنّ الجزائر وواشنطن يتوفّران على إمكانات هائلة تسمح بتقوية التعاون الاقتصادي الذي يمتد إلى عقود ماضية، معتبرا أنها «لحظة مهمة»، وأنه يمكن «بعد كل هذه السنوات من استقلال الجزائر أن نتطلّع إلى إمكانات هائلة تعود بالنفع على الشعبين الجزائري والأمريكي، من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والعمل معا لأجل مصلحة الشعبين».
وفي السياق، تجدر الإشارة إلى التعاون المعتبر بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية في مجال الطاقة الذي يشهد زخما متزايدا، حيث تجري الشركات الأمريكية العملاقة «إكسون موبيل» و»شيفرون» و»أوكسيدنتال»، مفاوضات متقدمة للاستثمار في التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما، بالإضافة إلى مشاريع الطاقات المتجدّدة والهيدروجين.
كما تهتم الشركات الأمريكية بالاستثمار في مجالات الطاقات المتجدّدة ومعالجة المياه والصحة والفلاحة، وبالنسبة لهذه الأخيرة، وفي إطار إطلاق الحزمة الثانية من اتفاقيات مشروع «بلدنا»، تشرع الجزائر في استيراد نحو 30 ألف رأس بقر من الولايات المتحدة الأمريكية، بداية من شهر نوفمبر 2026. ولا يتوقّف الأمر عند هذا الجانب، فأمريكا تنظر إلى الجزائر باعتبارها خزانا هاما للمعادن الاستراتيجية والعناصر النادرة التي تزخر بها، وهو ما يفتح الباب أمام إدماجها في سلاسل التوريد، من خلال الاستثمار، وهو ما سعت إليه الجزائر ضمن استراتيجيتها لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
فاعل أمني إقليمي
في الجانب الأمني، تعتبر الجزائر حجر الأساس في معادلة الأمن الإقليمي، واستتباب الأمن في منطقة المغرب العربي والساحل والصّحراء، حيث أبرز لاندو وجود «مجالات مهمة للتعاون في المجال الأمني، والعمل سويا لمواجهة التحديات في منطقة الساحل مع السعي إلى حلّ قضية الصّحراء الغربية، بعد مرور أكثر من 50 عاما».
هذا التصريح يحيل إلى تقدير أمريكي لخبرة الجزائر في مكافحة التهديدات العابرة للحدود، بصفتها شريكا إقليميا يتمتّع بخبرة ميدانية ترتكز على مقاربة متكاملة تجمع بين الأبعاد الأمنية والتنموية، في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وما نتج عن تحالفهما من زيادة قوة الظاهرتين وصعوبة التصدي لها، في وقت مكّنت خبرة الجزائر وقوة جيشها من جعل القطر الوطني مساحة آمنة ومستقرّة في إقليم تطغى عليه الاضطرابات الأمنية والسياسية، خاصة بعد انتقال عديد التنظيمات الإرهابية من الشرق الأوسط، لتستقرّ في منطقة الساحل الغنية بالثروات، ما حوّلها إلى بؤرة عدم استقرار أمني.
ويعدّ تصريح الدبلوماسي الأمريكي برأي مراقبين، اعترافا أمريكيا بمحورية الجزائر في حلّ الأزمات والمشكلات، وأنّ الجزائر فاعل لا يمكن تجاوزه عندما يتعلق الأمر بمحيطها، وبالتالي بناء تعاون قائم على التنسيق بين شريكين قويين يسوده الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدول.
تقرير المصير حق حصري للصّحراويين
فيما يخص الصّحراء الغربية، تؤكّد الجزائر على ضرورة احترام الشرعية الدولية وتطبيق قراراتها، وتمكين الشعب الصّحراوي من تقرير مصيره، عبر استفتاء ينظّم بكل حرية وديمقراطية، وتكون للشعب الصّحراوي الكلمة العليا في اختيار مصيره، بعيدا عن الحلول الظرفية التي يقترحها المحتل المغربي الذي يسعى لفرض الحكم الذاتي على الصّحراويين خيارا أوحد، خارج الاستفتاء وخارج الشرعية الدولية.
ولعل تطرّق كاتب الدولة الأمريكية لهذه النقطة خلال زيارته للجزائر، تنم عن رغبة أمريكية في إنهاء النزاع الذي دام خمسين عاما، والتوصّل إلى حلّ يرضي الطرفين في إطار مقتضيات الشرعية الدولية.


