من غير المقبــــــــــول اللّجـــــوء إلى المرتزقـــــــة الأجانب من أجـــــــــــل حلّ داخلـي
المعالجة الأمنية وحدها قاصرة.. والاستقرار لا يستدام دون تنمية حقيقية
الجزائر مستعدة لبناء 12 بئرا في بوركينافاسو وتزويدها بالطاقة الشمسية
التوافق الاقتصــــــــــادي مع النيجر يشكّل نموذجا متميّزا في التكامـــــــــــــــل القاري
أعادت التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال لقائه الدوري مع ممثلي الصّحافة الوطنية، تشكيل ملامح النقاش حول المقاربة الجزائرية تجاه التطورات المتسارعة في منطقة الساحل الإفريقي، حيث عكست كلماته رؤية استراتيجية واضحة في كيفية التعاطي مع التحوّلات المعقدة التي تشهدها دول الجوار، وخاصة مالي.
بعيدا عن لغة التدخّل أو فرض الوصاية السياسية، قدّم رئيس الجمهورية رؤية دقيقة للوضع الإقليمي تربط بشكل وثيق بين استدامة الأمن القومي وضرورة تحقيق الاندماج القاري، بناء على احترام السيادة الوطنية للدول والبحث عن حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية.
بالنسبة لدولة مالي التي تعيش أوضاعا أمنية وسياسية بالغة التعقيد، ضبطت الجزائر بوصلتها الدبلوماسية بناء على مبدأ الأخوة الثابتة والمصير المشترك، متبنية موقفا صريحا يرفض اللّجوء إلى استعمال القوة كخيار لحل الأزمات الداخلية المتراكمة.
وعبّر الرئيس تبون عن «أسفه الشديد» للانزلاق نحو عدم الاستقرار والعنف، مؤكّدا في الوقت ذاته على جاهزية الجزائر الدائمة لتقديم المساعدة متى طُلب منها ذلك، للمساهمة في التهدئة وإعادة ترتيب البيت المالي، مع التشديد التام على مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية لكون الأزمة شأنا ماليا بالدرجة الأولى.
في السياق، يبرز التمييز الدبلوماسي العقلاني الذي اعتمده رئيس الجمهورية بين موقف القيادة المالية الحالية، والتصريحات الصادرة عن بعض الأطراف المحيطة بها، ما يعكس حرصا جزائريا بالغا على استيعاب التجاذبات الظرفية وإبقاء قنوات التواصل غير المباشرة مفتوحة، إيمانا بحتمية الجوار الجغرافي وضرورة تغليب لغة الحوار الداخلي لتجاوز حالة الانسداد، وفي الوقت نفسه، أكّد رئيس الجمهورية بشكل واضح أنه من غير المقبول اللجوء إلى المرتزقة الأجانب من أجل حلّ داخلي، مبرزا أنّ الجزائر ترفض هذه الحلول جملة وتفصيلا، ومن شأنها تعقيد الأزمات والنزاعات والواقع الحالي يثبت ذلك مع تفاقم الأوضاع.
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل الرؤية الجزائرية تجاه مالي عن نظرتها الشاملة والعميقة لدول الساحل الإفريقي ككل، بما فيها النيجر وتشاد وبوركينافاسو، فهذه المنطقة الحيوية التي تشهد تغيّرات سياسية، وتواجه تحديات أمنية مركّبة، تتطلّب من دول الجوار مقاربة حذرة ومسؤولة، تعتمد على تفهّم الدوافع الحقيقية لهذه التحوّلات مع التأكيد على أهمية العودة إلى المسارات الدستورية، بما يخدم استقرار مؤسّسات الدولة ويلبي تطلّعات شعوبها التواقة للأمن والتنمية.
وتنظر الدبلوماسية الجزائرية إلى هذا العمق الإفريقي كمجال حيوي يستوجب التضامن الفعلي والعمل المشترك لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، مستندة إلى عقيدة ثابتة تحترم سيادة الدول وترفض بشكل قاطع التدخّلات والإملاءات الخارجية، التي أثبتت التجربة فشلها في إحلال السلام في المنطقة.
وتطرح الجزائر من خلال هذه المقاربة الشاملة بديلا عمليا لمعالجة الجذور العميقة للأزمات في الساحل، من خلال تحويل التركيز نحو مسألة الاندماج القاري كضرورة ملحّة، حيث يدرك رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أنّ المعالجة الأمنية والعسكرية وحدها قاصرة، وأنّ الاستقرار الفعلي لا يمكن أن يستدام دون إرساء دعائم تنمية اقتصادية حقيقية، كما أنّ تفعيل المبادلات التجارية وإقامة مشاريع اقتصادية مشتركة يشكّلان حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية الطموحة التي تسعى لخلق ثروة بديلة لأبناء المنطقة.
تتجلّى هذه النظرة التنموية، من خلال الخطوات الجادة التي تباشرها الجزائر لإنشاء مناطق تجارة حرّة في المناطق الحدودية المشتركة، فضلا عن الدفع بالمشاريع الهيكلية الكبرى لتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وربط الاقتصاد الوطني باقتصاديات دول الساحل وغرب إفريقيا، لتتحول الحدود من نقاط للتوتر والتهريب، إلى فضاءات للتبادل التجاري والمنفعة المشتركة.
وتعكس هذه المواقف الصريحة والمباشرة، التي عبّر عنها رئيس الجمهورية في لقائه الإعلامي، تبنّي الجزائر لعقيدة دبلوماسية ترتكز على الواقعية والهدوء الإيجابي، وتسعى من خلالها إلى بناء شراكات متوازنة ومستدامة مع محيطها الإفريقي، متجاوزة الخلافات السياسية الظرفية لصالح رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تضع الإنسان الإفريقي في صلب اهتماماتها، وتجعل من التنمية الاقتصادية والاندماج التجاري أدوات فعلية وملموسة لتحقيق السلم الإقليمي، واستدامة الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي بأكملها، لاسيما وأنّ رئيس الجمهورية طرح فكرة التبادل الإفريقي البيني وفق قدرات القارة، والذي إن تحقّق سوف يساهم بشكل كبير في تجاوز العديد من الخلافات وتهدئة الأوضاع الأمنية في العديد من مناطق القارة، بما في ذلك منطقة الساحل الإفريقي.
وقال الرئيس تبون إنّ ما وصلت إليه الجزائر والنيجر من مستوى التوافق حول العلاقات الاقتصادية، لابد أن يشكّل نموذجا في التكامل القاري، وكذلك الحال مع تشاد ودول أخرى، مفيدا في السياق، بأنّ الجزائر مستعدة لبناء 12 بئرا في بوركينافاسو، مع تزويدها بصفائح الطاقة الشمسية لتوليد طاقة الضّخ.
وشدّد الرئيس على أنّ التكامل القاري الذي تؤمن به الجزائر، لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه فعل تدخّل، لافتا إلى الشروع في معاملات تجارية هامة مع دول إفريقية، على غرار اقتناء بودرة الحليب من أوغندا، قائلا: «الجزائر تبيع وتشتري مع دول إفريقية، وهذا ما يجعل التكامل حقيقة وليس شعارات».
وتكمن أهمية هذه المقاربة في كون السوق الإفريقية واعدة بأكثر من 1.5 مليار نسمة، وتعزيز التجارة البينية من شأنه أن يوفّر ملايين مناصب الشغل ويعزّز الشركات الوطنية في القطاعين والخاص في الدول الإفريقية، كما يدفع نحو اندماج إفريقي حقيقي، والجزائر – في هذا الإطار – لا تكتفي بطرح الأفكار، إنما بدأت في التطبيق الفعلي والعملي مع العديد من الدول الإفريقية، والمنتجات الإفريقية بدأت تتدفّق على السوق الجزائرية، والصناعيون الجزائريون بدأوا في اختراق السوق الإفريقية، وواضح أنّ هذه النظرة من شأنها إزعاج العديد من الأطراف، التي تريد دائما أن تجعل إفريقيا مجرّد «بازار» لتفريغ منتجاتها بدون استفادة إفريقية حقيقية.




