في لحظة تاريخية يطوي فيها الكوكب صفحة الوقود الأحفوري الأكثر تلويثاً، يبرز المشهد الطاقي المغربي كحالة شاذة تعاكس التيار العالمي. فبينما تتسارع خطى الدول نحو التخلي عن الفحم بوصفه أحد أثقل مصادر الطاقة كلفةً بيئية، لا تزال المملكة تسند جزءاً محورياً من إنتاجها الكهربائي إلى هذا المورد، في مفارقة تكشف هوة واضحة بين الطموح المعلن وإيقاع الانتقال الطاقي على أرض الواقع.
تشير الأرقام الصّادرة عن وحدة أبحاث الطاقة في واشنطن، إلى أن المغرب حلّ في المرتبة الخامسة عالمياً ضمن أكثر الدول اعتماداً على الفحم في توليد الكهرباء. وبلغت حصته 62 في المائة من المزيج الكهربائي الوطني، ليكون بذلك البلد العربي الوحيد الحاضر في هذه القائمة المرتبطة بارتفاع الانبعاثات، في وقت تتراجع فيه مكانة الفحم بشكل متسارع داخل المنظومات الطاقية الكبرى.
وعلى المستوى الدولي، توثّق البيانات تحوّلاً بنيوياً متدرجاً لكنه ثابت الاتجاه، إذ انخفضت مساهمة الفحم في إنتاج الكهرباء عالمياً إلى 33 في المائة سنة 2025، بعدما كانت تتجاوز 39 في المائة سنة 2015، بينما سجل الإنتاج المعتمد عليه تراجعاً بنسبة 0.6 في المائة. وفي تطور لافت، تمكّنت الطاقات المتجددة لأول مرة من تجاوز الفحم بوصفه المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء على الصعيد العالمي.
ويكشف تحليل المزيج الطاقي الوطني المغربي عن هيمنة الفحم بنسبة 62 في المائة، مقابل 16 في المائة لطاقة الرياح، و11 في المائة للغاز الطبيعي، بينما لا تزال مساهمة الطاقة الشمسية محدودة عند 5.8 في المائة.
وتحت ضغط التحولات البيئية المتسارعة، تتقدّم دينامية التخلي عن الفحم في عدد من العواصم الكبرى. ففي أوروبا تراجعت حصته إلى مستويات متدنية، فيما أصبحت المملكة المتحدة خالية منه بشكل كامل سنة 2025، وسجّلت اليونان أدنى مستويات اعتمادها عليه في تاريخها الحديث.
هذا المسار يعكس تصاعد إدراك عالمي بأن الكلفة الكربونية للفحم لم تعد قابلة للاستمرار في ظل البحث عن بدائل أنظف وأكثر استدامة.
وسط هذا المشهد العالمي المتحوّل، تظل البصمة الفحمية المغربية مؤشراً على تعقيدات الانتقال الطاقي في اقتصاد المملكة.



