الرقابة الدستوريـــــــــة أداة مركزيـــــــة لصون الحقــــــــــــوق وضمـــــــــــان توازن السلطــات
آلية الدفع بعدم الدستوريــــــــة جعلت المواطن شريكا فعليــــــــا في حمايـــــة الدستـــــور
انتخاب بوطبيق بالبرلمان الإفريقي يجسد ثقة الأفارقة في الكفــــــاءات الجزائريـــــــة
بوضياف: دستور 2020 منح الحقوق والحريــــــات مضمـــــــونا أوسع وتكريسا أقـــــــوى
انطلقت أشغال الملتقى الدولي الثالث للمحكمة الدستورية، أمس، بقصر المؤتمرات «عبد اللطيف رحال» تحت عنوان»دور الرقابة الدستورية في حماية الحقوق والحريات في الجزائر والنظم المقارنة» وذلك بحضور ممثلين عن مؤسسات الدولة، وهيئات دستورية وقضائية، إلى جانب وفود أجنبية رفيعة المستوى، وخبراء في القانون الدستوري، وممثلي منظمات دولية معنية بمجال العدالة الدستورية والحكامة وسيادة القانون.
وأكدت رئيسة المحكمة الدستورية، ليلى عسلاوي، أن هذا الموعد العلمي الدولي أصبح محطة سنوية راسخة تكرّس التفاعل بين الفكر القانوني والتجربة القضائية، وتشكل فضاء حيويا لتبادل الرؤى حول الإشكالات الكبرى المرتبطة بالقضاء الدستوري في الجزائر وفي النظم المقارنة، في ظل التحولات العميقة التي تعرفها الأنظمة الدستورية المعاصرة.
وشددت عسلاوي على أن المحكمة الدستورية، من خلال هذا الملتقى، تسعى إلى ترسيخ ثقافة دستورية تقوم على الفهم العميق لدور الرقابة الدستورية باعتبارها أداة مركزية لضمان توازن السلطات، وصون الحقوق والحريات، وتعزيز مبدأ سمو الدستور باعتباره المرجع الأعلى للدولة، معتبرة أن الرقابة الدستورية تمثل ضمانة لاستقرار الدولة، ومصدرا لتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساتها.
وأبرزت عسلاوي أن الرعاية السامية التي يوليها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للمحكمة الدستورية، ولأشغال هذا الملتقى، تعكس المكانة التي باتت تحظى بها العدالة الدستورية ضمن مسار الإصلاحات المؤسساتية في الجزائر، وأشارت إلى أن هذا الدعم فعلي يترجم الإرادة السياسية في تعزيز استقلالية القضاء الدستوري وتكريس دوره كضامن للحقوق والحريات، وأضافت أن الرعاية الرئاسية تشكل إطارا داعما لمسار تطوير المنظومة الدستورية، من خلال تثمين دور المحكمة الدستورية وتعزيز آليات عملها، بما يسمح لها بأداء مهامها في أفضل الظروف، ومواكبة التحولات التي تعرفها الدولة الجزائرية في مختلف المجالات، خاصة في ظل التوجه نحو ترسيخ دولة المؤسسات وبناء إدارة حديثة قائمة على الشفافية وسيادة القانون.
وفي هذا الإطار، اعتبرت عسلاوي أن دعم رئيس الجمهورية يعكس رؤية شاملة تؤكد أن حماية الدستور ليست مسؤولية قضائية وحسب، بل هي خيار دولة يتقاطع فيه السياسي بالقانوني، ويجعل من القضاء الدستوري أحد أهم ركائز التوازن المؤسساتي وضمان استقرار المنظومة القانونية، كما أوضحت أن الملتقى الدولي الثالث للمحكمة الدستورية، يندرج ضمن ديناميكية علمية تهدف إلى تعميق النقاش حول دور الرقابة الدستورية في حماية الحقوق والحريات، سواء في التجربة الجزائرية أو في النظم المقارنة، بما يسمح بتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.
وتوقفت رئيسة المحكمة الدستورية عند التحول النوعي الذي شهده النظام الدستوري الجزائري بعد تعديل 2020، معتبرة أنه شكل نقلة مهمة في مسار تعزيز دولة القانون، من خلال توسيع آليات الرقابة الدستورية، وعلى رأسها «الدفع بعدم الدستورية» الذي منح المواطن دورا مباشرا في إثارة عدم دستورية النصوص القانونية أمام القضاء.
وأوضحت عسلاوي أن هذه الآلية لا تمثل مجرد إجراء قانوني، بل تعكس تحولا عميقا في فلسفة العدالة الدستورية، حيث أصبح المواطن شريكا فعليا في حماية الدستور، وهو ما يعزز مبدأ المواطنة الدستورية ويكرّس التوازن بين السلطة والحرية، كما أشارت إلى أن الرقابة الدستورية في الجزائر تلعب دور الحصن الضامن للحقوق والحريات، ليس فقط عبر مراقبة مطابقة القوانين للدستور، إنما أيضا من خلال إرساء اجتهادات قضائية تسهم في تطوير المنظومة القانونية وتوجيه المشرّع نحو مزيد من التوازن بين متطلبات الدولة وضمانات الفرد.
وتطرقت عسلاوي إلى أهمية الموضوع المختار لهذه الطبعة، باعتباره يفتح المجال أمام المقارنة مع تجارب دستورية رائدة عبر العالم، ما يسمح بالاستفادة من الممارسات الفضلى في مجال الرقابة الدستورية، سواء من حيث آليات الإخطار أو فعالية الطعون أو حماية الحقوق الأساسية في ظل التحولات العالمية الراهنة.
كما ذكّرت المتحدثة بحصيلة الملتقى الدولي الثاني الذي احتضنته ولاية تيسمسيلت، والذي تناول حق الأفراد في اللجوء إلى القضاء الدستوري، معتبرة أن تلك النقاشات شكلت أرضية فكرية تم البناء عليها في هذه الطبعة، من خلال الانتقال إلى تعميق دراسة دور الرقابة الدستورية في حماية الحقوق والحريات وتكريس الأمن القانوني.
وفي سياق آخر، اغتنمت رئيسة المحكمة الدستورية، المناسبة، لتتقدم باسمها وباسم أعضاء وإطارات المحكمة الدستورية بأحر التهاني إلى عضو مجلس الأمة فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيسا للبرلمان الإفريقي بمدينة ميدراند بجنوب إفريقيا، معتبرة أن هذا الإنجاز يعكس المكانة المتقدمة التي تحظى بها الجزائر على الصعيد الإفريقي، ويجسد ثقة الدول الإفريقية في الكفاءات الجزائرية وقدرتها على الإسهام في قيادة المؤسسات القارية.
وأكدت عسلاوي أن هذا التتويج لم يأت صدفة، بل هو ثمرة مسار طويل من الكفاءة والخبرة، ويعكس الدور المتنامي للجزائر داخل الفضاء الإفريقي، انسجاما مع التوجه الذي يقوده رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والقائم على تعزيز التعاون الإفريقي-الإفريقي والدفاع عن مصالح القارة في مختلف المحافل الدولية.
من جهته، أوضح عضو المحكمة الدستورية، عمار بوضياف، أن القضاء الدستوري أصبح «أحد ركائز ضمانات حقوق الإنسان في مواجهة أي مساس بالحقوق والحريات المكفولة دستوريا»، لافتا إلى أن هذه الحقوق عرفت في الجزائر، بمناسبة تعديل 2020، «تطورا واسعا من حيث التكريس والمضمون».





