تعمل الجزائر على بناء مقاربة جزائرية لبناء السلم والأمن في إفريقيا، تستند إلى ثوابت واضحة، قوامها رؤية متماسكة ومتكاملة للعلاقات الإفريقية، وأساسها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤون الغير، والحق في التنمية للجميع على قدم المساواة، ذلك أن من أهم أسباب عدم الاستقرار والتخلف في بلدان إفريقيا هو تداعيات الاستعمار الغربي على مدار قرون، ثم التواجد الأجنبي وصراع النفوذ من أجل السيطرة على ثرواتها على حساب مصالح الشعوب فيها.
خلال إشرافه على افتتاح أشغال ملتقى وطني حول المقاربة الجزائرية لبناء الأمن والسلم في إفريقيا، الاثنين، أكّد الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، أنّ “من أهداف الملتقى لصياغة معالم مقترح مقاربة جزائرية لبناء السلم والأمن في إفريقيا، والمستندة إلى ثوابت واضحة، تقوم على رؤية متماسكة ومتكاملة للعلاقات الإفريقية”.
وتبرز أهمية هذه المقاربة، في ظل السياق الدولي الذي يتسم بالتنافس غير مسبوق على قارة إفريقيا، سيما منطقة الساحل، التي تعدّدت الأطراف المتدخلة فيها، سيما الجماعات المسلحة الإرهابية المحفزة للتدخلات العسكرية الأجنبية المفاقمة للأزمات، وهذا بدوره فتح المجال لتصارع القوى الخارجية المتنافسة من أجل فرض نفوذها، وإيجاد موطئ قدم لها في قارة غنية بالموارد الطبيعية والنادرة غير المستغلة، وهي في معظمها ضرورية في الصناعات الحديثة.
إفريقيا بموقعها الجيوسياسي تحتوي على ثلاثة مضايق حيوية للتجارة الدولية، مضيق باب المندب في القرن الإفريقي، قناة السويس بمصر ومضيق جبل طارق في أقصى الغرب، قناة موزمبيق شرق إفريقيا، وهذا أحد الأسباب التي حوّلت القارة لساحة صراع محتدم بين القوى الدولية والإقليمية الساعية لفرض نفوذها وتأمين مصالحها، حيث أنّ أي تهديد لهذه المضايق سوف يؤثر مباشرة على أمن الطاقة العالمي وحيوية التجارة الدولية.
مكامـــــــــــــــــن القـــــــــــــــــــــــوّة
ولأنّ العامل الجغرافي من موارد طبيعية وموقع جغرافي يعتبر من مقومات قوة الدولة، إلا أنّه في حال كانت ضعيفة أو غير قادرة على بسط سيطرتها عليه، يصبح عامل تهديد لأمنها القومي، وهو ما نراه في إفريقيا، حيث تنتشر القواعد العسكرية الأجنبية في أهم المناطق، سواء الغنية بالموارد الطبيعية أو في المضائق، وهو ما يزيد من ضعف الدولة التي تفقد السيادة على جزء من أراضيها لصالح الغير، سواء كان ذلك بالاتفاق أو بالقسر، وبالتالي يرتهن قرارها السياسي واستقلالية سياستها الخارجية لصالح القوى الأجنبية تلك.
ويتّضح ذلك في الحروب التي تحوّلت من حروب بين الدول، إلى حروب داخلية وأهلية، قبلية أو دينية أو انفصالية، ثم بين النظام وجماعات مسلحة لمرتزقة أجانب، والخاسر الوحيد في هذا التحول للحروب هي الدول الأفريقية التي تُحرم سيادتها على أراضيها ومواردها، ومن حقها في التنمية وسيادتها.
الرّؤيـــــــــــــــــة الجزائريـــــــــــة
ومن هذا المنطلق، تسعى الجزائر إلى بناء مقاربة إفريقية للسلم والأمن، تجسيدا للتّوجّهات الكبرى للسياسة الخارجية الجزائرية في بعدها الإفريقي، التي يؤكّد عليها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، على غرار ضرورة إرساء مقوّمات الشراكات المتوازنة والعمل الإفريقي المشترك، رفض الحلول الخارجية المفروضة، تغليب منطق الحوار، واحترام سيادة الدول”، ففيما يخص إرساء مقومات الشراكات المتوازنة، قطعت الجزائر أشواطا في هذا الاتجاه، ولا أدل على ذلك من اتفاقات الشراكة والتعاون مع دول الجوار في الساحل مع كل من النيجر وتشاد، وصولا إلى بوركينافاسو، وتقديم المساعدة والدعم لتمكين هذه الدول من استغلال ثرواتها بسواعد أبنائها، وبمساعدة تقنية وإنسانية من الجزائر التي يبقى همها الوحيد نهضة إفريقيا، وأخذ مكانتها الدولية التي تليق بحجمها وموقعها وتعداد سكانها وثرواتها التي لا تنضب.
في السياق، أنجزت الجزائر – على سبيل المثال – مشاريع وطنية عملاقة ذات فائدة قارية، ومنها منجم غارا جبيلات والخط المنجمي السككي الغربي انطلاقا من تندوف نحو الشمال، وطريق تندوف إلى الزويرات بموريتانيا، حيث من المقرر أن تزوّد الجزائر إفريقيا بالحديد الجيد من أجل التنمية، ما يقلص تكاليف الانجاز.
كما تنجز حاليا خط السكك الجزائر تمنراست، المقرّر تدشينه بعد سنتين، وسيربط العمق الإفريقي بالبحر الأبيض المتوسط، دون أن ننسى أنبوب الغاز العابر للصحراء من نيجيريا إلى أوروبا مرورا بالنيجر، الذي تكفلت الجزائر بتكاليف الشطر المار منه بالنيحر على حسابها في إطار التضامن القاري. هي مشاريع اقتصادية تهدف إلى تكريس التكامل القاري، والتعاون من أجل تحقيق التنمية والنهوض بالقارة السمراء.
كما تحرص الجزائر على حق إفريقيا في التنمية، وهو ما رافعت من أجله دائما في مختلف منابر الأمم المتحدة، وتجسّد ذلك فعليا على أرض الواقع بتقديم مثال يحتذى في استغلال المقدرات الوطنية، ورفض التدخل الأجنبي في شؤونها ورفض الإملاءات الخارجية، حيث أصبحت أوّل دولة تتخلص من المديونية الخارجية وتحرّر قرارها السيادي، بل وضخّت مليار دولار لفائدة الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية موجهة لتمويل مشاريع تنموية في الدول الإفريقية.
وبقدر حرصها على الجانب التنموي والمساهمة فيه، فإنّها ترفض التدخل الأجنبي في قارة أفريقيا، وتؤكّد على الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية، حيث أثبتت التجربة أنهت تسبّبت على مر التاريخ في تقهقر وضع القارة وتخلف شعوبها بدءا من المد الاستعماري في القرن السادس عشر وصولا إلى التدخل تحت غطاء مكافحة الإرهاب في القرن الحالي.
السّيـــــــــــــــــــادة أوّلا
وتحرص الجزائر – وفق مبادئ سياستها الخارجية – على احترام سيادة الدول، ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يتماشى تماماً مع مبادئ ميثاق الاتحاد الأفريقي، ومقاصد الأمم المتحدة.
ولقد تأكّد ذلك – على سبيل المثال – خلال الأزمة الليبية، عندما فتحت أبوابها لمختلف أطراف النزاع في ليبيا “من غير الجماعات المسلّحة الإرهابية”، من أجل التحاور ليخرجوا بحل ليبي-ليبي بعيدا عن تأثيرات المصالح الأجنبية، وبالمثل فعلت مع الشقيقة مالي على مدار ستة عقود، أين كانت فضاء يلجأ إليه المتنازعون كلما فشل الحل العسكري، ليتوافقوا على حلول ترضي الطرفين دون تدخل من الجزائر، وما زالت تمد يدها رغم كل التحامل عليها.
إنّ سعي الجزائر لبناء مقاربة افريقية متكاملة من أجل السلم والأمن، يمر بالضرورة عبر احترام سيادة الدول، وهي تعطي مثالا على احترامها لهذا المبدأ، لأنّ فرض السيادة هو من مسؤولية الدولة نفسها، ودونها لا يمكن الحديث عن الاستقلال والسيطرة على مقدراتها وثرواتها، وبالتالي يبقى عنصر السّيادة أساسيا للبناء الجماعي لقارة أفريقية قوية وآمنة بعيدا عن التدخلات والأجندات الخارجية التي أرهن قرارها، عندها يمكنها تفعيل التعاون الثنائي المبني على الاعتماد المتبادل والربح المشترك.


