ليست قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال مجرد ملف حقوقي عابر، بل هي مرآة مكثفة لطبيعة الصراع، حيث تتحول الأجساد إلى ساحات اشتباك، والحرية إلى معركة يومية ضد منظومة قمع ممنهجة. فمنذ عقود، يتنقل الأسير الفلسطيني بين سياسات متعددة، تبدأ بالاعتقال الإداري ولا تنتهي عند حدود التهديد بإقرار أو تنفيذ الإعدام، في سياق واحد يجمعه هدف واضح: كسر الإرادة الفلسطينية.
يشكّل الاعتقال الإداري أحد أبرز أدوات هذه المنظومة. وهو، في جوهره، اعتقال بلا تهمة، بلا محاكمة، وبلا سقف زمني محدد، يستند إلى “ملفات سرية” لا يحقّ للأسير أو محاميه الاطلاع عليها. هذه السياسة، التي تتعارض بشكل صارخ مع أبسط معايير العدالة، تحوّلت إلى أداة روتينية لإفراغ القانون من مضمونه، وإعادة تعريفه كأداة للهيمنة لا كضمانة للحقوق. هنا، لا يكون الأسير متهما بقدر ما يكون مُستهدفا، ولا تُقاس العدالة بميزان القانون، بل بميزان القوة.
لكن الأخطر من ذلك هو الانزلاق المتسارع نحو سياسات أكثر تطرفا، تتجسد في الدعوات المتكررة لتشريع أو تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. هذه الدعوات لا تنفصل عن مناخ سياسي يغذّي النزعة الانتقامية، ويحوّل القضاء إلى امتداد للقرار الأمني. فحين يصبح الإعدام خيارا مطروحا، فإننا لا نكون أمام “طوير قانوني”، بل أمام إعادة إنتاج لأدوات استعمارية قديمة، بثوب معاصر.
ولعلّ المفارقة الصارخة تكمن في أن فكرة “إعدام الأسرى” ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين، حين استخدمت سلطات الاستعمار قوانين الطوارئ لقمع الحركة الوطنية الفلسطينية. في ذلك السياق، جاءت جريمة إعدام الفدائيين الثلاثة: محمد جمجوم، فؤاد حجازي، وعطا الزير، في حدث مفصلي ما زال محفورا في الذاكرة الفلسطينية، ليس فقط كجريمة، بل كرمز لسياسة استعمارية ترى في المقاومة جريمة تستوجب الإبادة.
اليوم، ومع عودة الحديث عن “قانون إعدام الأسرى”، يبدو المشهد وكأن التاريخ يُعاد إنتاجه، لا بوصفه ذكرى، بل كسياسة قائمة. فالقانون الذي يُروَّج له ليس سوى امتداد لتلك المرحلة، يعكس عقلية واحدة، وإن تغيّرت الأدوات والوجوه: عقلية ترى في الفلسطيني خطرا وجوديا يجب التخلص منه، لا إنسانا له حقوق يجب احترامها.
في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه السياسات عن بعضها البعض. فالاعتقال الإداري، والتعذيب، والإهمال الطبي، والعزل الانفرادي، وصولا إلى التهديد بالإعدام، كلها حلقات في سلسلة واحدة، هدفها النهائي تفكيك الإنسان الفلسطيني، جسدا وروحا. إنها ليست إجراءات منفصلة، بل منظومة متكاملة، تعمل على تحويل السجن من مكان للاحتجاز إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي، أو كسره.
غير أن ما يغيب عن هذه الحسابات، أو يُتجاهل عمدا، هو أن هذه السياسات، بدل أن تُضعف الإرادة، غالبا ما تعيد إنتاجها بأشكال أكثر صلابة. فالأسرى، رغم كل ما يتعرضون له، لا يزالون يشكلون أحد أبرز رموز الصمود الفلسطيني، ليس فقط لأنهم ضحايا، بل لأنهم فاعلون في معركة الوعي والكرامة.
إن الحديث عن الأسرى الفلسطينيين اليوم، في ظل هذا التصعيد، ليس مجرد استحضار لمعاناة، بل هو دعوة لإعادة تعريف الموقف الدولي من هذه القضية. فالصمت، أو الاكتفاء ببيانات خجولة، لم يعد كافيا أمام سياسات ترتقي إلى مستوى الجرائم الممنهجة. المطلوب ليس فقط إدانة، بل مساءلة حقيقية، تعيد الاعتبار لمفهوم العدالة، وتضع حدا لإفلات الجناة من العقاب.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحا: أن السجون، مهما اشتدت قسوتها، لم تنجح يوما في كسر فكرة الحرية. وأن القوانين، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تمنح الشرعية لسياسات تقوم على نفي الآخر. وبين جدران الزنازين، كما على أعواد المشانق، يستمر الفلسطيني في كتابة روايته: رواية شعب يقاوم، لا لأنه يملك القوة، بل لأنه يرفض أن يُسلب إنسانيته.
^ كاتب صحفي وباحث وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين






