منظومــــة رمزيـــة متكاملـــــة تعكـــــس تاريـــــخ المجتمـــــع وقيمـــــه المتوارثـــــة
احتضن مركز النشاطات الثقافية “عبان رمضان”، أول أمس السبت، لقاء ثقافيا مميزا في إطار شهر التراث، نظمته مؤسسة “فنون وثقافة” لولاية الجزائر بالتنسيق مع جمعية “عهد الأجيال من أجل التراث والتنمية”، في مبادرة تعكس تزايد الوعي بأهمية الموروث الثقافي كركيزة أساسية في بناء الهوية الوطنية، وتعزيز حضوره في الذاكرة الجماعية، لاسيما لدى الأجيال الصاعدة.
شهد اللقاء حضور نخبة من المختصين والفاعلين في الحقل الثقافي، حيث نشّطت الأستاذة سعاد زفوني، المختصة في التراث ورئيسة المنتدى الوطني للمحافظة على التراث، محاضرة بعنوان “أهمية التراث في الذاكرة الشعبية”، أبرزت فيها أن التراث ليس مجرد مخزون من العادات والتقاليد، بل هو منظومة رمزية متكاملة تعكس تاريخ المجتمع وتجارب أفراده وقيمه المتوارثة.
وأكدت المتحدثة، أن الحفاظ على هذا الإرث لا ينبغي أن يقتصر على التوثيق والحفظ، بل يتطلب إدماجه في الحياة اليومية عبر المدرسة والإعلام والفضاءات الثقافية، حتى يظل حيا ومتجددا في وجدان المجتمع.
وفي السياق ذاته، قدمت رئيسة جمعية “عهد الأجيال من أجل التراث والتنمية”، نبيلة بن يوسف، مداخلة ركزت فيها على ضرورة تفعيل التراث في الوسط المجتمعي، خاصة في أوساط الشباب، باعتبارهم الحلقة الأهم في استمرارية هذا الإرث.
وأشارت إلى أن الأجيال الصاعدة تواجه تحديات كبيرة في ظلّ العولمة والانفتاح الرقمي، ما يستدعي العمل على ربطها بجذورها الثقافية عبر مبادرات ميدانية وبرامج توعوية.
وختمت مداخلتها بجملة من التوصيات التي من شأنها دعم السياسات الثقافية وتعزيز حضور التراث في مختلف مجالات الحياة.
وفي مداخلة أخرى، سلطت بن يوسف الضوء على “القفطان الجزائري”، باعتباره أحد أبرز رموز اللباس التقليدي، حيث استعرضت أبعاده الجمالية والتاريخية، وارتباطه بالتحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الجزائري عبر العصور، مؤكدة أنه يمثل مرآة للذوق الفني وخصوصية الهوية الثقافية.
من جهته، تناول الناشط الثقافي قربوش أحسن موضوع “الوزيعة”، بوصفها ممارسة اجتماعية متجذّرة في منطقة القبائل، تقوم على تقاسم اللحوم في إطار جماعي يعكس قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع. وأبرز أن هذه العادة تمثل نموذجا حيا للتراث اللامادي الذي يعزز الروابط الاجتماعية ويحافظ على روح الجماعة.
ولم يخلُ اللقاء من لمسة إبداعية، حيث تميز بفقرة أدبية نشطها الشاعر عمر شلابي، الذي استعرض في نصوصه الشعرية ملامح من اللباس النسوي الجزائري، مثل الحايك والبلوزة الوهرانية والقفطان والشدة التلمسانية، في صور شعرية استحضرت جماليات التراث وعمقه الرمزي، كما شاركت الشاعرة كريمة إمخيلاف بنصوص استلهمت روح الذاكرة الشعبية، معبرة عن ارتباط الإنسان بجذوره الثقافية في مزج فني بين الكلمة والإحساس بالانتماء.
وفي سياق متصل، عرف اللقاء حضور رضا ملازم، رئيس المنظمة الوطنية للعمل الإنساني وترقية المواطنة، الذي أشاد بالقيمة الرمزية الكبيرة للتراث، مؤكدا أن مثل هذه المبادرات الثقافية تساهم في ترسيخ الوعي بأهمية الحفاظ على موروث الأجداد، كما دعا إلى تكثيف الأنشطة التي تُعنى بالعادات والتقاليد، خاصة في الأوساط التربوية، لما لها من دور في تنشئة الأجيال على قيم الانتماء والهوية.
وعلى هامش اللقاء، تمّ تنظيم حفل تقليدي جمع بين التراث المادي واللامادي، أحيته فرقة “أطبلان”، إلى جانب “نوبة الخالات” لفرقة “أغنجو” من ولاية تيزي وزو، حيث تفاعل الحضور مع الإيقاعات واللوحات الفنية التي عكست ثراء وتنوع التراث الجزائري.
وفي هذا الصدد، أوضحت مليكة نالوف، المسؤولة عن إدارة اللقاءات بالمركز، في تصريحها لـ«الشعب”، أن هذه التظاهرة تندرج ضمن البرنامج الثقافي الخاص بشهر التراث، مؤكدة حرص المركز على جعل هذا الموعد مناسبة سنوية لتجديد الصلة بالماضي واستحضار مكونات الهوية الوطنية.
ويأتي هذا النشاط ـ حسب المتحدثة ـ أيضا، ضمن سلسلة من الفعاليات الرامية إلى تثمين التراث الوطني بمختلف أشكاله، المادية واللامادية، وتعزيز الوعي بأهميته كدعامة أساسية في بناء المجتمع.
كما يعكس التزام الفاعلين الثقافيين بفتح فضاءات للحوار والنقاش حول سبل حماية هذا الإرث ونقله إلى الأجيال القادمة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، بما يضمن استمرارية الذاكرة الجماعية وصون خصوصية الهوية الجزائرية.





