أبرزت ندوة ثقافية نُشطت في إطار فعاليات المعرض المحلي لحرف القصور، الذي نظمته جمعية “إيفاسن ناقصور للصناعات التقليدية والحرف”، بالتنسيق مع مديرية الثقافة والفنون لولاية ورقلة وبدعم من وزارة الثقافة والفنون، الدور المحوري الذي لعبته القصور الصحراوية في حفظ وصون التراث المحلي.
ساهمت هذه الندوة في تفعيل القيمة الحقيقية لهذه التظاهرة في بعدها الثقافي والفكري، إذ لم يقتصر الحدث على عرض الصناعات التقليدية فحسب، إنما تحوّل إلى فضاء معرفي يستحضر تاريخ القصور والواحات والعادات الاجتماعية، ويعيد قراءة التراث المحلي باعتباره عنصرا حيا في تشكيل الهوية الجماعية.
وفي هذا السياق، قدّمت سلسلة المداخلات الفكرية والثقافية المتخصصة جوانب متعددة من التراث الثقافي الورقلي، استهوت مسامع الحاضرين في قاعة دار الثقافة مفدي زكرياء والذين تابعوها باهتمام كبير.
من جانبه سلط المهندس “حفصي مصطفى” الضوء في مداخلته حول “قصر ورقلة العتيق وواحاتها” على البعد التاريخي والعمراني للقصور القديمة وعلاقتها بالواحات، باعتبارها فضاءات للحياة والاستقرار، كما قدّم الأستاذ “دحماني عبد الحليم” مداخلة حول “قصر انقوسة وواحاتها”، فيما عرّج الأستاذ صفي الدين سالمي على خصوصية “قصر الشط وعجاجة وواحته”، مستحضرا الملامح التاريخية والاجتماعية لهذه المناطق.
ولم تغب العادات والتقاليد عن هذه التظاهرة، حيث قدّم الأستاذ “صالح بابا حني” مداخلة بعنوان “عادات وتقاليد سكان قصر ورقلة”، أبرز من خلالها القيم الاجتماعية والطقوس التراثية التي تميز المجتمع المحلي، في حين سلطت رئيسة جمعية “إيفاسن ناقصور” أم الخير خليل الضوء على “النسيج الورقلي وتراثه ورموزه”، مبرزة ما يحمله هذا الفن التقليدي من دلالات ثقافية وجمالية تعكس هوية المنطقة وخصوصيتها الحضارية.
وجاءت هذه التظاهرة الثقافية لتؤكد أن حرف القصور، ليست مجرد منتجات تعرض للزوار، بل هي ذاكرة مجتمع وجسرا يربط الحاضر بالماضي، في محاولة جادة للحفاظ على الموروث المحلي ونقله إلى الأجيال القادمة.
ففي سياق فعاليات التظاهرة التي امتدت فعالياتها من 7 إلى 9 ماي الجاري، تمّ بالمناسبة افتتاح المعرض، الذي شهد حضور عدد من ممثلي الجمعيات المحلية من ورقلة وعين القديمة وانقوسة، إلى جانب نخبة من المهتمين بالتراث والثقافة، في صورة عكست روح التعاون بين المؤسسات الثقافية والجمعيات الفاعلة في مجال حماية التراث.
كما سجّل المعرض المقام مشاركة متميزة لعدد من الولايات، منها ورقلة، الأغواط، المنيعة، غرداية وتقرت، حيث تنوّعت الأجنحة بين اللباس التقليدي، والبخور، والأكلات الشعبية، والحرف اليدوية، وهو ما أتاح للزوار، فرصة لاكتشاف ثراء التراث الجزائري وتنوعه الثقافي من منطقة إلى أخرى.
وقد أجمع الحاضرون على أن هذه المبادرة نجحت في تقديم صورة متكاملة عن التراث باعتباره منظومة متشابكة تجمع بين الحرفة والمعرفة، وبين الموروث المادي واللامادي، مؤكدة أن حماية التراث لا تتحقق فقط بعرض المنتجات والحرف التقليدية، وإنما أيضا بتوثيق الذاكرة الشعبية وإحياء الوعي الثقافي داخل المجتمع.





