يحتضن المتحف الوطني للآثار القديمة معرضا تكريميا مميزا بعنوان “تمام وتلاميذه”، في محطة ثقافية تستعيد مسيرة أحد أبرز أعلام الفن الجزائري، الفنان الراحل محمد تمام، وتفتح في الآن ذاته نافذة على امتداد تجربته الفنية عبر الأجيال.
ويأتي هذا الحدث المتواصل إلى غاية 18 ماي الجاري، ضمن فعاليات شهر التراث لسنة 2026، تحت شعار “تراثنا.. حضارتنا”، في سياق يعكس حرص المؤسسات الثقافية على صون الذاكرة الفنية الوطنية وتعزيز حضورها في الوعي الجماعي.
وفي هذا السياق، أكد مدير المتحف عزالدين عنتري أن محمد تمام (23 فيفري 1915 ـ 15 جويلية 1988)، يعد مرجعا أساسيا وأحد أيقونات الفن التشكيلي في الجزائر، لما تميّز به من تعدد في الرؤى والممارسات الفنية، فقد جمع بين المنمنمات والخط والتنميق، وسعى إلى الحفاظ على التراث الفني الجزائري، كما كان فنانا شاملا لم تقتصر اهتماماته على التشكيل فحسب، بل امتدت إلى الموسيقى، حيث عُرف بعزفه على آلات متعددة.
ولم يكن حضوره مقتصرا على المجال الفني، بل كان أيضا مجاهدا ضمن فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، مساهما في النضال من أجل استقلال الجزائر، ما يعكس تلازم البعد الفني والوطني في مسيرته.
ومن جانبه، أبرز الفنان علي كربوش، أحد أقدم تلاميذ الراحل والمنسق المسؤول عن المعرض، أن محمد تمام لم يكن مجرد أستاذ يلقن تقنيات الرسم، بل كان بمثابة الأب والموجه، يحرص على نقل القيم الإنسانية والجمالية لتلامذته.
وأشار إلى أن الراحل كان فنانا راقيا في سلوكه وأخلاقه، محبا للجمال والموسيقى، وعازفا متمكنا على الكمان والعود والموندول، كما كان يرى في الفن التشكيلي وسيلة للتعبير عن الإحساس الصادق وإيصال رسائل إنسانية عميقة.
ويعرف هذا المعرض مشاركة عشرة فنانين من تلامذة محمد تمام، الذين يقدمون أعمالا فنية تستحضر أثره في مساراتهم الإبداعية، إلى جانب مختارات من إنتاجه الفني، في صيغة بصرية تقوم على الحوار بين الأجيال. ويعكس هذا التلاقي استمرارية المدرسة الفنية التي أسسها الراحل، حيث تتقاطع الأساليب والتجارب في فضاء واحد يحتفي بالذاكرة ويمنحها بعدا معاصرا.
كما يضمّ المعرض مجموعة من اللوحات التي تستنطق الذاكرة الفنية، من بينها أعمال للفنان الطاهر بوكروي مثل “الخالق الواحد” و«سورة اقرأ” و«هو الله”، والتي تميزت بتقنيات الجرافيك على الورق المذهب، وتجاورها أعمال أخرى لتلامذة الراحل، على غرار لوحة “تنميق” للفنان علي كربوش، و«لفظ الجلالة” للفنان جاب الله سعيد، و«تكوين” للفنان بومادة عبد القادر بخط كوفي مربع، إضافة إلى “اهتزاز خطي” للفنان بوثليجة محمد، في تنوع يعكس ثراء التجربة الفنية الممتدة من الأستاذ إلى تلامذته.
ولعلّ ما يميز هذا الموعد الثقافي أيضا، تلك اللافتة التوثيقية التي خطّها الفنان الطاهر بوكروي، والتي تؤكد أن المعرض لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يبرز استمرارية تجربة فنية نادرة انتقلت من الأستاذ إلى تلامذته، وما تزال حية ومتجددة إلى اليوم، فالأعمال المعروضة لا تُقدّم كقطع منفصلة، بل كحوار بصري متواصل يجمع أجيالا مختلفة ضمن مرجعية جمالية واحدة.
ويجسّد هذا المعرض، في عمقه، رؤية ثقافية تؤمن بأن الفن ليس مجرد ممارسة جمالية، بل هو ذاكرة حية تتجدد عبر التوارث والإبداع، ليظل اسم محمد تمام حاضرا في المشهد التشكيلي الجزائري، ليس فقط كفنان رائد، بل كمدرسة متكاملة تواصل إشعاعها عبر الزمن.





