ضبط الترشيحــــــات وحماية نزاهة العمليــة الانتخابيــــــة..
إجراءات صارمة لضبط شروط الترشح واحترام الآجال القانونية
تتواصل التحضيرات للتشريعيات، المقررة يوم 2 جويلية المقبل، وسط توجه واضح نحو إحكام العملية منذ مراحلها الأولى، وضبط شروط الترشح، واحترام الآجال القانونية، بما يضمن منافسة سياسية أكثر انضباطا، ويغلق المجال أمام الممارسات التي أضرت سابقا بصورة الانتخابات والعمل السياسي، خاصة مسألة استعمال المال الفاسد ومحاولات التأثير على القوائم خارج الضوابط القانونية.
وجاء البيان الأخير للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، المتعلق بكيفيات إيداع ملف التصريح الجماعي بالترشح، في هذا الإطار التنظيمي، حيث ذكّرت السلطة قوائم المترشحين المعنيين بتقديم استمارات التوقيع الفردي، أن آخر أجل لإيداعها حدد يوم 18 ماي 2026 على الساعة منتصف الليل، لدى رئيس اللجنة الانتخابية الولائية أو رئيس اللجنة الانتخابية لدى الممثليات الدبلوماسية أو القنصلية بالخارج، حسب الحالة، مع إعداد محضر يسلم للمترشحين لإرفاقه ضمن ملف التصريح الجماعي بالترشح.
ودعت السلطة القوائم التي لم تودع بعد ملف التصريح الجماعي بالترشح إلى الاتصال بالمنسق الولائي للسلطة المستقلة، من أجل تحديد موعد لإيداع الملف، قبل انقضاء الآجال المحددة، وهي خطوة تندرج ضمن الحرص على تفادي الضغط في الساعات الأخيرة، وضمان سير العملية بصفة منظمة، خاصة أن مرحلة الترشيحات تعد من أهم المحطات التي تسبق الاقتراع، لأنها تحدد الإطار الأولي للمنافسة السياسية وتضع المترشحين أمام مسؤولياتهم القانونية والتنظيمية.
الإصلاح يبدأ من جدية الترشح
يؤكد المتتبعون للشأن السياسي أن التحضير للتشريعيات المقبلة يأتي في سياق إصلاحات سياسية وقانونية عرفتها الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، رافقتها إرادة سياسية معلنة من طرف رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تقوم على حماية نزاهة الانتخابات، ومنع عودة الممارسات التي فتحت في فترات سابقة الطريق أمام أصحاب المال لدخول المؤسسات المنتخبة، وتحويل العمل السياسي إلى وسيلة للنفوذ والمصالح الخاصة، بدل أن يكون مجالا لخدمة المواطن والدفاع عن الشأن العام.
ومن هذا المنطلق، فإن التشديد على احترام الآجال، وضبط الملفات، وتنظيم استمارات التوقيع، يدخل في هذا الإطار ويرتبط بمسعى أوسع لتنظيم الحياة السياسية بشكل أدق، لاسيما وأن العملية تبدأ من الترشح الجدي والمسؤول، ومن قوائم تعرف مسبقا أن القانون هو المرجع، وأن الوصول إلى المؤسسات التشريعية لا يكون بالارتجال أو العلاقات أو المال، بل عبر احترام الشروط والاحتكام إلى الصندوق والمواطن.
وفي سياق متصل، تبرز أهمية هذه التشريعيات بالنظر إلى طبيعة المؤسسة المنتخبة، فالمجلس الشعبي الوطني يمثل إحدى الواجهات الأساسية للتعبير عن الإرادة الشعبية بشكل حقيقي وملموس، وتشريع ومراقبة القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، ومتابعة السياسات العمومية، ولذلك، فإن نوعية الترشيحات ومستوى الانضباط في العملية الانتخابية ينعكسان لاحقا على أداء المؤسسة التشريعية، وعلى قدرتها في تمثيل الانشغالات الحقيقية للجزائريين.
كذلك، فإن منع المال الفاسد من التأثير على العملية الانتخابية يبقى من أهم الرهانات السياسية في المرحلة الحالية، لأن التجارب السابقة أظهرت أن المال عندما يدخل الحياة السياسية خارج القانون، يضعف ثقة المواطن، ويشوه المنافسة، ويدفع إلى واجهة التمثيل أشخاصا لا يحملون بالضرورة مشروعا سياسيا أو رؤية لخدمة الصالح العام، بل يبحثون عن مواقع داخل المؤسسات لخدمة مصالح ضيقة.
إن وجود سلطة وطنية مستقلة للانتخابات يمنح العملية إطارا مؤسساتيا واضحا وشفافا، خاصة عندما تتدخل في الوقت المناسب لتذكير القوائم بالآجال، وتحديد الإجراءات، وتنظيم الإيداع، ومرافقة مختلف مراحل التحضير، لاسيما وأن المطلوب في مثل هذه الاستحقاقات أن تكون القواعد معروفة للجميع، وأن تخضع الأحزاب والقوائم الحرة لنفس الالتزامات، بما يعزز الثقة في المسار الانتخابي ويقلص هامش الفوضى والتأويل.
وبالنسبة للجزائر، فإن تنظيم الحياة السياسية يمر عبر انتخابات نزيهة، لكن أيضا عبر بناء ثقافة انتخابية تقوم على الجدية والمسؤولية واحترام القانون، فالمترشح الذي يبدأ مساره بعدم احترام الآجال أو بعدم ضبط ملفه، لا يمكن أن يقدم نفسه لاحقا كفاعل قادر على تحمل مسؤولية التمثيل داخل مؤسسة تشريعية، ومن هنا تبدو الصرامة في هذه المرحلة ضرورية، لأنها تضع الحدود منذ البداية بين العمل السياسي المنظم والممارسات التي أضعفت الثقة في السابق، وأثرت بشكل كبير على صورة هذه المؤسسة التشريعية في وعي المواطن البسيط، وهي الصورة النمطية التي يسعى رئيس الجمهورية إلى تغييرها عبر مختلف المستويات، سواء ما تعلق بالقوانين المنظمة والإجراءات الرقابية الرادعة لأي ممارسات من شأنها تشويه العملية الانتخابية أو العمل السياسي بشكل عام.
وفي السياق، فإن تشريعيات 2026 تأتي في مرحلة تحتاج فيها الجزائر إلى مؤسسات أكثر قدرة على مرافقة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ومناقشة الملفات الكبرى بروح وطنية ومسؤولية، وعلى هذا، فإن حماية العملية من المال الفاسد ومن الترشيحات غير المؤسسة أمر ضروري لأجل ضمان عمل مؤسسات الدولة وتقديم الإضافة المنوطة بها كمؤسسة وطنية تشريعية تعد الحلقة الرقابية الأولى في البلاد ومنها تشرع تناقش القوانين.



