وديع لـ“الشعب“: بلادنا قوة إقليميــة صانعـة للســلام وحاملــة لرسالة إنسانيــة
مبادئ جزائرية مستمدة من رصيدها التاريخـي ومـيراثهـا التحريــري
أكد المحلل السياسي مخلوف وديع أن إحياء اليوم العالمي للعيش معا في سلام، والذي تم ترسيمه باقتراح من الجزائر، يمثل مناسبة لاستذكار حجم الحاجة الدولية إلى استعادة قيم الحوار والتعايش والاحتكام إلى القانون الدولي، في ظل بيئة عالمية تتسم بتصاعد الأزمات والنزاعات والحروب والتوترات الجيوسياسية.
وأوضح مخلوف في تصريح لـ»الشعب» أن الجزائر برزت، خلال السنوات الأخيرة، كواحدة من الدول القليلة التي حافظت على ثبات مواقفها السياسية والدبلوماسية تجاه مختلف القضايا الدولية، وهو ما جعلها تكتسب صورة الدولة المدافعة عن السلم والاستقرار ونصرة الشعوب.
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر، منذ استقلالها، اختارت بناء سياستها الخارجية على جملة من المبادئ الثابتة التي تستند إلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ورفض الحلول العسكرية للنزاعات، مع إعطاء الأولوية للحوار والتسويات السياسية، وأفاد أن هذا التوجه تحول إلى عقيدة دبلوماسية راسخة جعلت الجزائر تحافظ على مصداقيتها واحترامها بالمحافل الدولية والقارية.
ويرى وديع أن ما يمنح الجزائر الحضور الدبلوماسي القوي، هو امتلاكها لرصيد تاريخي وثوري كبير، حيث استمدت سياستها الخارجية من مبادئ ثورتها التحريرية القائمة على نصرة الشعوب ورفض الاستعمار والدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية، وأضاف أن الجزائر لم تتعامل يوما مع القضايا الدولية بمنطق المصلحة الضيقة، إنما حرصت دائما على بناء مواقفها على أساس أخلاقي وسياسي ثابت، ما جعلها صوتا مسموعا ومدافعا عن الحق في مختلف الأزمات الدولية.
الحلول السلمية للنزاعات
وأوضح المحلل السياسي أن الجزائر استطاعت تكريس نفسها كدولة مرجعية في مجال الوساطات السياسية وحل النزاعات، خصوصا داخل الفضاء الإفريقي، حيث لعبت أدوارا مهمة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيقهما عبر التدخلات الأجنبية أو سياسات فرض الأمر الواقع، وأضاف أن الجزائر، تؤمن بأن الحلول المستدامة للأزمات يجب أن تنبع من داخل الدول والمجتمعات نفسها، بعيدا عن الضغوطات الخارجية التي غالبا ما تزيد الأوضاع تعقيدا، ومن هذا المنطلق، ظلت الجزائر تدافع عن مبدأ «الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية»، باعتباره خيارا استراتيجيا لحماية سيادة دول القارة والحفاظ على استقرارها.
دور محوري في منطقة الساحل
وأشار المتحدث إلى أن التغيرات التي يشهدها العالم، اليوم، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الجيوسياسي، عززت من أهمية الدور الجزائري، خاصة في منطقة الساحل الإفريقي التي تواجه تحديات متشابكة مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والاضطرابات السياسية.
وقال إن الجزائر تعاملت مع هذه التحديات برؤية شاملة ومتوازنة، تجمع بين المقاربة الأمنية والبعد التنموي والسياسي، عكس بعض القوى التي اختزلت معالجة الأزمات في الحلول العسكرية فقط.
وأكد وديع أن الجزائر تُقدَّم اليوم كنموذج لدولة نجحت في بناء مقاربة واقعية وعقلانية لإدارة الأزمات، وهو ما يفسر تزايد الثقة الدولية والإفريقية في دورها كوسيط وشريك أساسي في جهود إحلال السلام والاستقرار.
التنمية.. خيار استراتيجي
وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي إن الجزائر لا تنظر إلى السلام باعتباره مجرد غياب للحروب، وإنما تعتبره مشروعا متكاملا يرتبط بالتنمية والعدالة الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية للشعوب، وأضاف أن الجزائر أدركت مبكرا أن هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تمثل أحد أهم أسباب انتشار العنف والتطرف وعدم الاستقرار، وهو ما دفعها إلى تبني رؤية تقوم على الربط بين الأمن والتنمية.
وأفاد محدثنا أن الجزائر حرصت على تعزيز تعاونها الاقتصادي والإنساني مع الدول الإفريقية، من خلال مشاريع البنى التحتية والتعاون الطاقوي وتوسيع المبادلات الاقتصادية، إلى جانب دعم جهود التنمية المحلية ومرافقة الدول الإفريقية في بناء قدراتها الاقتصادية، ويرى أن هذا التوجه يعكس فهما عميقا لطبيعة التحديات التي تواجه القارة، حيث لا يمكن فصل الأمن عن التنمية أو معالجة الأزمات بمعزل عن تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وأشار وديع إلى أن الجزائر تبعث اليوم برسالة واضحة مفادها أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن إلا عبر خلق فرص التنمية والتكامل الاقتصادي وتمكين الشعوب من العيش الكريم، وأضاف أن هذا الطرح أصبح يحظى باهتمام متزايد داخل القارة الإفريقية، خاصة مع فشل العديد من المقاربات الأمنية التقليدية في إنهاء الأزمات المزمنة.
وفي حديثه عن التحولات الدولية الراهنة، قال المتحدث إن الجزائر نجحت في فرض حضورها داخل مختلف المحافل الإقليمية والقارية والدولية، بفضل تمسكها بالقانون الدولي ورفضها لازدواجية المعايير، وأضاف أن العالم يعيش اليوم على وقع اختلالات كبيرة في منظومة العلاقات الدولية، نتيجة تغليب منطق القوة والمصالح الضيقة على حساب مبادئ العدالة والشرعية الدولية، ما جعل صوت الجزائر يكتسب أهمية متزايدة باعتباره صوتا يدعو إلى التوازن والاحتكام إلى القانون الدولي.
وسجل محدثنا أن الدبلوماسية الجزائرية برزت بشكل لافت خلال عهدتها كعضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي، حيث دافعت بقوة عن القضايا العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من خلال المطالبة بوقف الانتهاكات وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، إلى جانب مواصلة دعمها للقضية الصحراوية باعتبارها آخر قضية تصفية استعمار في إفريقيا.
وأشار المحلل السياسي إلى أن الجزائر حافظت على مواقفها الثابتة رغم الضغوطات والتحولات الدولية، وهو ما يعكس استقلالية قرارها السياسي والدبلوماسي، وقال إن هذا الثبات منح الجزائر صورة الدولة التي لا تساوم على مبادئها، بل تواصل الدفاع عن حق الشعوب في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
وشدد مخلوف وديع على أن الجزائر أصبحت اليوم أحد أبرز الأصوات الداعية إلى إصلاح النظام الدولي وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، في ظل تنامي الأزمات العالمية وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية بسبب سياسات الكيل بمكيالين، وأضاف أن الجزائر تدعو باستمرار إلى بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنا، يضمن احترام سيادة الدول ويحمي حقوق الشعوب بعيدا عن منطق الهيمنة والإملاءات، ليؤكد أن ما يميز السياسة الخارجية الجزائرية هو حفاظها على طابعها الإنساني والأخلاقي، حيث ظلت الجزائر حاضرة في مختلف المبادرات التضامنية والإنسانية، سواء داخل إفريقيا أو خارجها، انطلاقا من قناعة تاريخية بأن الدفاع عن السلم والاستقرار لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان وكرامته وحقه في الحياة الآمنة والمستقرة.



