تكنوقــراط خوارزميـون يمتلكـون أدوات التنبـؤ وبروليتاريـا رقميـة تعيـش الفراغ
العقلانـية الإحصائيـة وأنسنـة التكنولوجيــا.. حدود الأرقام أمـام الوجــود البشري
يشهد العامان الأخيران فيضا مستمرا من الأدبيات والنقاشات التي تتناول الذكاء الاصطناعي وتأثيراته المستقبلية، وهي نقاشات تتأرجح ـ في الغالب ـ بين حدّين متطرفين: الأول «يوتوبيا» التقنية المبشرة بفردوس أرضي تجد فيه كل معضلات البشرية من الأوبئة إلى التغير المناخي، حلولا معقولة غير مكلفة، والثاني «ديستوبيا» سوداوية تحذر من فناء البشرية وتسيّد الآلة، وبين الحدّين، استقطاب حادّ اختلق حالة من السطحية في النقاش العام، فاستُبدل التحليل العلمي الرصين بالوعود البراقة أو بالمخاوف الوجودية المطلقة.
إلا أن القراءة المتأنية لطروحات أكاديميين بارزين أمثال بنجامين ريشت (من جامعة بيركلي) وماكسيميليان كاسي (من جامعة أكسفورد) تُحدث نقلة نوعية في السجال، ذلك أن رؤاهما النقدية تنقل المعركة تماما من «الخيال الهوليوودي» وهو يصوّر ثورة الروبوتات والذكاء الاصطناعي العام الذي يهدّد الوجود الإنساني، إلى ساحة الواقع السياسي والاجتماعي المعيش، ذلك أن الخطر الحقيقي، وفقا لريشت وكاسي، ليس كائنا فضائيا أو آلة واعية بذاتها، إنما هو كيفية توظيف التقنيات الجديدة في إعادة تشكيل علاقات القوة الحالية.
يركز بنجامين ريشت على تفكيك المبالغات التقنية من منظور علمي صارم، فيوضّح أن الأنظمة الحالية – رغم تعقيدها ـ لا تمثل سوى أدوات متطورة للمطابقة الإحصائية والنمذجة الرياضية، فهي ليست «وعيا» خارقا، ولا عقلية مرعبة، ويحذر ريشت من خطورة إضفاء الطابع السحري على الخوارزميات؛ لأن التقديس الأعمى للآلة يُخفي وراءه انحيازات بشرية ومصالح اقتصادية للشركات الكبرى التي تصنع هذه الأدوات، ما يؤدي إلى تبرير قرارات جائرة تحت غطاء «الحياد التكنولوجي».
من جانبه، يأخذ ماكسيميليان كاسي النقاش إلى عمق الاقتصاد السياسي، فيستعرض الكيفيات التي يسهم بها الذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي، وتركيز الثروة في مناطق بعينها، فالقضية ـ كما يراها كاسي ـ ليست أتمتة الوظائف بشكل مجرد، إنما هي تحويل البيانات البشرية إلى رأس مال تسيطر عليه قلة من الاحتكارات التقنية، وهذا الوضع يؤدي بالضرورة إلى إضعاف القوة التفاوضية للعمال، وتعميق الفجوة بين من يملكون الخوارزميات، ومن يخضعون لرقابتها، لينتهي إلى ما النيل من أسس العدالة الاجتماعية في ذاتها.
بناء على ما سبق، يتضح أن التحدي الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس سوى تحدٍّ ديمقراطي، يتعلق بالسيادة والعدالة وتوزيع السلطة، وعليه، فإن المعركة الحقيقية لا تدور في المستقبل البعيد ضد «آلات متمردة»، إنما تدور اليوم في أروقة صناعة القرار، وفي المحاكم، وفي أسواق العمل، حيث يتقرّر من يملك الحق في صياغة المعايير وتوجيه هذه التقنيات.. إنها مواجهة سياسية بامتياز لتحديد ما إذا كانت التكنولوجيا ستخدم الصالح العام، أم ستتحول إلى أداة لترسيخ الهيمنة الرقمية.
1. الجذور التاريخية والسياق العسكري
يؤكد بنجامين ريشت في أطروحاته النقدية، لا سيما في كتابه «القرار غير العقلاني» (The Irrational Decision)، أن ما نسميه اليوم ذكاء اصطناعيا ليس طفرة وعي مفاجئة، فهو في جوهره امتداد لـ»عقلانية إحصائية» صارمة لم تولد في فراغ، إنما نشأت وتطورت في سياقات عسكرية وعلمية محددة منذ منتصف القرن العشرين، حيث كانت الحاجة ماسة إلى نمذجة الاحتمالات والتنبؤ بمسارات المقذوفات أو إدارة اللوجستيات الحربية المعقدة، ولقد صُممت هذه الأدوات للتعامل مع بيئات محددة وقابلة للقياس الكمي، حيث يمكن اختزال العالم في أرقام ومتغيرات.
وتكمن الإشكالية الكبرى اليوم في محاولة تعميم هذا المنطق الإحصائي المحدود، ونقله قسرا من مختبرات الهندسة وسياقات الحروب، كي يهيمن على كافة مناحي الحياة اليومية للبشر، ولا شكّ أن السعي الدؤوب لتطبيق هذه النمذجة على مجالات شديدة الحساسية والتعقيد – بدءا من التشخيص الطبي واختيار العلاج، وصولا إلى صياغة السياسات العامة وتوزيع الثروات وتقييم الكفاءات البشرية – يمثل قفزة غير محسوبة.. إنها قفزة تفترض خطأ أن المجتمع البشري مجرد نظام مغلق يمكن إدارته بمعادلات رياضية متشابهة.
ويرى ريشت أن هذه المحاولة الحثيثة لـ»عقلنة» الواقع رياضيا، وتأطيره خوارزميا، تصطدم حتما بحدودها البنيوية؛ فالواقع الإنساني يفيض بالظلال والتعقيد الوجودي الذي لا يمكن حصره في ثنائيات الصفر والواحد، ثم إن المعايير الأخلاقية المتشابكة، والحدس البشري القائم على تراكم الخبرات والمشاعر، والقدرة على التعاطف وسياقات الفهم التأويلي، كلها أبعاد نوعية تفلت تماما من قبضة أي خوارزمية مهما بلغت درجة تعقيدها، ما يجعل الاختزال الرقمي تشويها لطبيعة التجربة البشرية.
ويفكك ريشت الخرافة المعاصرة المحيطة بـ»حياد التكنولوجيا»، حين يبرهن على أن الخوارزميات ليست كائنات منزهة عن الهوى، فهي أدوات «مشبعة بالقيم» والأيديولوجيا.. إنها مصممة ومبرمجة من قِبل بشر يمتلكون انحيازات واعية أو غير واعية، وتتغذى على بيانات تاريخية محملة أصلا بجرعات من التمييز والتفاوت الاجتماعي، وبالتالي، فإنّ ما تقدمه الآلة على أنه «قرار موضوعي» ليس في الحقيقة سوى إعادة إنتاج وتكريس للتحيزات البشرية السابقة، ولكن تحت غطاء خادع من الصرامة الرياضية.
هنا، يسجل ريشت أن تفويض القرار النهائي للآلة في المصائر البشرية، يصبح خطرا داهما يهدد مفهوم المسؤولية الإنسانية في عمقه، وعندما تُوكل القرارات المصيرية – مثل الأحكام القضائية أو الاستحقاقات الطبية – إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، يختفي «الفاعل الأخلاقي» الذي يمكن محاسبته أو مراجعته، وهذا – في المجمل ـ ليس سوى هروب من المسؤولية، وتخفّ وراء قناع الخوارزميات، يفرغ الفعل الإنساني من بعده الأخلاقي، ويحول المجتمع إلى آلة ضخمة تُدار بلا روح وبلا قدرة على المساءلة.
المادية الصناعية إلى الرأسمالية الرقمية
في قراءة سوسيولوجية لافتة تلائم تحولات القرن الحادي والعشرين، يستلهم عالم الاجتماع ماكسيميليان كاسي المفاهيم الماركسية الكلاسيكية ليصوغ مصطلحا تفسيريا جديدا هو «وسائل التنبؤ» (Means of Prediction)، كبديل ومطور لمفهوم «وسائل الإنتاج» التقليدي، ويرى كاسي أن فائض القيمة والسيطرة في العصر الرقمي لم يعودا مرتبطين حصرا بامتلاك المصانع والآلات الفيزيائية، فقد انتقلا نحو السيطرة على أدوات استشراف السلوك البشري وهندسته، ولهذا يرى أن القوة الحقيقية في رأسمالية المنصات اليوم، تكمن في القدرة على تحويل التدفقات الحياتية واليومية للأفراد، إلى تنبؤات سلوكية قابلة للتسييل والمتاجرة.
وتتأسس «وسائل التنبؤ» ـ كما رآها كاسي ـ على بنية تحتية معقدة تتطلب السيطرة المطلقة على أربعة موارد أساسية ومتكاملة لا غنى لأي قوة تقنية عنها، أولها «البيانات الضخمة» بما هي وقود خام يغذي الآلات، تعقبها «الخبرة الفنية» المتمثلة في النخب الهندسية القادرة على صياغة الخوارزميات وتطويرها، أما المورد الثالث فهو «القدرة الحسابية الهائلة» التي توفرها مراكز البيانات والخوادم العملاقة، وأخيرا، «الطاقة الكثيفة» اللازمة لتشغيل هذه البنى التحتية وتبريدها.. هذه الموارد هي الأضلاع التي تشكل المربع الذهبي للهيمنة الرقمية الحديثة.
ويسجّل كاسي أن الاحتكار الشديد لهذه الموارد الأربع من قِبل حفنة من الشركات التكنولوجية العابرة للقارات، وبدعم وتواطؤ من بعض الدول الكبرى، يعيد إنتاج ظاهرة «تمركز رأس المال» بشكل غير مسبوق في التاريخ، فلم يعد بإمكان الشركات الناشئة أو حتى الدول النامية منافسة هذه «الإمبراطوريات الرقمية»، نظرا للتكلفة الباهظة والتعقيد اللوجستي لامتلاك وسائل التنبؤ، وهو ما يخلق احتكارا مغلقا للقدرة المعرفية، حيث تحتكر جهات بعينها سلطة «معرفة المستقبل» وصياغة الاحتمالات، فتفرغ السوق الحرة والديمقراطية من مضمونهما التنافسي.
وتنعكس هذه الهيمنة الخوارزمية بشكل مباشر وصارم على الأفراد في حياتهم اليومية، فتحوّلهم إلى ذوات خاضعة للمراقبة والتقييم المستمر، وتتجلى هذه السلطة الهائلة في ثلاثة مستويات حرجة: عمال المنصات (مثل سائقي التطبيقات وموظفي التوصيل) الذين تُدار حركاتهم وأجورهم عبر خوارزميات صماء، والمتقدمين للوظائف الذين تفرز ملفاتهم وتحدّد مصائرهم المهنية تقييمات آلية مسبقة، وانتهاء إلى المتهمين أمام القضاء الذين يخضعون لخوارزميات التنبؤ الجنائي التي تحدد نسب العودة إلى الجريمة.. وفي كل هذه الحالات، يجد الفرد نفسه مجردا من فاعليته أمام سلطة حسابية لا تفهم ولا ترحم.
ويخلص كاسي إلى أن الذكاء الاصطناعي – في سياقه الرأسمالي الحالي – يتحوّل بالضرورة إلى أداة لترسيخ السيطرة الطبقية والسياسية، بدلا من أن يكون وسيلة للتحرّر الإنساني أو لتخفيف عبء العمل، ويؤكد أن إضفاء الطابع التقني «المحايد» على هذه الأنظمة، ليس سوى قناع أيديولوجي يُخفي وراءه علاقات القوة القديمة؛ حيث يُستخدم التنبؤ الخوارزمي لضبط السلوك الاجتماعي، وتعميق الفجوة بين طبقة التكنوقراط المالكة لوسائل التنبؤ، وطبقة البروليتاريا الرقمية التي لن تكون حياتها ومستقبلها سوى بيانات محسوبة بدقة، وقابلة للتحكم.
تفكيك أسطورة «الإنسان ضد الآلة»
إن مسار التحوّل الرقمي الحالي يقتضي بالضرورة كسر أسطورة «الإنسان ضد الآلة» التي تروج لها السرديات الشائعة، ذلك أنه صراع مفتعل ومشحون دراميا ليكون واجهة أيديولوجية تصرف الأنظار عن الصراع الحقيقي.. صراع القوى الاجتماعية والمصالح الاقتصادية التي تقف خلف الآلة التي لا تملك إرادة ذاتية لتصارع البشر، بحكم أن طريقة تصميمها ونشرها هي التي تعكس موازين القوة؛ ومن ثمّ، فإن تحويل النقاش إلى معركة وجودية مع الروبوتات، يحجب التساؤلات الجوهرية حول من يملك التكنولوجيا، ومن يستفيد منها، ومن يدفع ثمنها من أمانه الوظيفي والاجتماعي.
ويبرز ـ في هذا السياق – ادعاء خطير يسعى إلى تكريس النزعة التكنوقراطية، وهو القول بأن الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخوارزمية، مجالات شديدة التعقيد، بحيث لا يفهمها ولا يجوز أن يديرها إلا الخبراء والمهندسون، وهذا المنطق غايته إقصاء المجتمع، فهو يتعمد إضعاف الرقابة الديمقراطية، وتجريد المؤسسات الشعبية والتشريعية من سلطتها في المحاسبة.
إن إحاطة التكنولوجيا بهالة من الغموض السحري يحولها إلى سلطة مطلقة فوق النقد، في حين أن الغايات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية لهذه التقنيات، هي شأن عام يمسّ حياة كل مواطن، ولا يجوز تركه لتقدير قلة من المتخصصين في الشركات العابرة للقارات.
إن الخطوة الأولى نحو التغيير، تكمن في إعادة صياغة جذرية لحوكمة البيانات والبنية التحتية الرقمية، بحيث لا تظل هذه الموارد الحيوية حكرا على أصحاب الرساميل الضخمة وعمالقة التقنية، فالبيانات ـ في هذا العصر ـ هي نتاج جماعي مستمد من تفاعلات البشر وحياتهم اليومية، وبالتالي لا يمكن القبول بتحويلها إلى ملكية خاصة تُستغل لتوليد الأرباح وتعميق الهيمنة، وواضح أن ديمقراطية البيانات تتطلّب تطوير أطر قانونية وسياسية تعتبر البيانات «مرفقا عاما» أو ثروة مشاعة تخضع للسيادة المجتمعية، ما يضمن توزيع عوائدها المعرفية والتنموية بشكل عادل.
وتتكامل هذه الحوكمة الجديدة مع تفعيل مبدأ المشاركة الجماهيرية الواسعة، عبر آليات تضمن إشراك الفئات المجتمعية المتأثرة مباشرة بالخوارزميات في عملية تصميمها، وتحديد غاياتها، وتقييم آثارها مسبقا، فلا يمكن لرهائن السياسات الخوارزمية ـ من عمال منصات، وطبقات هشة، ومستهلكين ـ أن يظلوا مجرد متلقين سلبيين لقرارات الآلة، وهو ما يستدعي إدماج المنظمات النقابية، والجمعيات الحقوقية، والمجتمعات المحلية في صياغة المعايير التقنية التي تضمن توجيه الذكاء الاصطناعي إلى خدمة الاحتياجات الحقيقية للمجتمع، وتمنع تحوّل الخوارزميات إلى أدوات للفرز الطبقي أو الرقابة الصارمة، وهذا مسار انتقالي يتطلب إعلانا صريحا لـ»أنسنة التكنولوجيا»، بمعنى الاعتراف الحاسم بأن العقلانية الرياضية والنمذجة الإحصائية، رغم كفاءتها العالية في معالجة البيانات، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون الحكم الأخير أو المرجعية العليا في خياراتنا الجماعية ومصائرنا المشتركة.
إن القضايا المصيرية المرتبطة بالعدالة، والحرية، والكرامة الإنسانية هي قيم نوعية تتجاوز منطق الأرقام والاحتمالات، من هنا، تصبح ديمقراطية البيانات الأداة التي تعيد التكنولوجيا إلى حجمها الطبيعي.. وسيلة مكملة وخادمة
للإرادة البشرية الحرة، وليس بديلا عنها أو سلطة متعالية عليها.







