المقاربـة الأكاديمية الجديـدة تحصّـن الشبــــاب فكريا وتضمـن سيـادة الهويـة
خريجــو التخصّصــات العلميـــة بحاجـة إلــى معالـم تاريــخ بلادهــم العظيــــم
التحديــات الجديـدة تفــرض التـوازن بــين التكويــن العلمـــي وبنـاء الشخصيــة
أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، أنه سيتم بصفة تدريجية تعميم تدريس مادتي “تاريخ الجزائر” و«الوطنية والمواطنة” على كافة المدارس العليا عبر الوطن، بهدف تعزيز الوعي لدى الطلبة وترسيخ انتمائهم الوطني.
في تعليقه على هذا القرار، اعتبر الدكتور عبد الرحمن بوثلجة، أنّ هذه الخطوة تمثل توجّها مهما كان من المفروض أن يُجسّد منذ سنوات داخل الجامعة الجزائرية، بالنظر إلى التحوّلات التي شهدها المجتمع، والتحديات الفكرية والثقافية التي أصبحت تستهدف وعي الشباب وهويتهم الوطنية، خاصة في ظل الانفتاح الواسع على الفضاء الرّقمي وتعدّد مصادر التأثير الفكري والإعلامي.
وأوضح الدكتور بوثلجة – في تصريح لـ«الشعب” – أنّ الجامعة الجزائرية ركّزت، خلال العقود الماضية، على التكوين الأكاديمي والتقني البحت، حيث انصبّ الاهتمام أساسا على تخريج مهندسين وأطباء وإطارات وتقنيّين في مختلف التخصّصات، غير أنّ الجانب المتعلق ببناء الشخصية الوطنية للطالب لم يحظ بالعناية الكافية، باستثناء بعض التخصّصات المرتبطة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، التي تتضمّن بطبيعتها مقاييس في التاريخ والفكر والسياسة والثقافة الوطنية.
وأضاف محدثنا أنّ غالبية الطلبة في التخصّصات العلمية والتكنولوجية والطبية ينهون مسارهم الجامعي دون الاحتكاك الحقيقي بمقاييس تعمّق معرفتهم بتاريخ الجزائر أو ترسّخ لديهم مفهوم المواطنة والانتماء الوطني، رغم أنّ هؤلاء يمثلون، مستقبلا، إطارات الدولة ومؤسّساتها الاقتصادية والعلمية والإدارية، وهو ما يجعل إعادة النظر في فلسفة التكوين الجامعي ضرورة حيوية، حتى لا تبقى مقتصرة على الجانب المعرفي والتقني وحدهما.
وأشار الدكتور بوثلجة إلى أنّ تدريس التاريخ والوطنية لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرّد مادة إضافية أو إجراء إداري، فهو مشروع لبناء الوعي الجماعي لدى الأجيال الجديدة، خاصة وأنّ كثيرا من الشباب اليوم أصبحوا يجهلون محطات أساسية من تاريخ بلادهم، أو يمتلكون معلومات سطحية لا ترقى إلى مستوى إدراك حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري، من أجل التحرّر واسترجاع السيادة الوطنية.
وأكّد محدثنا أنّ خطورة هذا الفراغ المعرفي تكمن في كونه يفتح المجال أمام حملات التشويه والتضليل التي تستهدف الذاكرة الوطنية، سواء عبر بعض المنصّات الرّقمية أو عبر الخطابات التي تحاول التقليل من تاريخ الجزائر ونضالات شعبها، وأضاف أنّ تعزيز تدريس التاريخ داخل الجامعة يعدّ أحد السبل الأساسية لتحصين الشباب فكريا وترسيخ ارتباطهم بوطنهم ومؤسّساتهم، كما أوضح أنّ الطالب الذي يقرأ تاريخ وطنه بوعي، ويدرك حجم التضحيات التي قدّمها الشّهداء والمجاهدون، سيكون أكثر إحساسا بالمسؤولية تجاه بلاده، وأكثر استعدادا للمساهمة في بنائها والدفاع عن مصالحها، لأنّ الوطنية – يقول محدثنا – ليست مجرّد شعارات تُرفع في المناسبات، وإنما سلوك يومي ينعكس في احترام القانون، والحفاظ على مؤسّسات الدولة، والإخلاص في العمل، ومحاربة مختلف أشكال الفساد والتسيّب والانتهازية.
وسجّل الدكتور بوثلجة أنّ غرس قيم المواطنة والوعي الوطني بالجامعة، يمكن أن يساهم في الحد من بعض السلوكيات السلبية، التي أصبحت تطرح نفسها داخل المجتمع، مشيرا إلى أنّ الشعور الحقيقي بالانتماء يجعل الفرد أكثر التزاما بمصلحة وطنه، وأقل قابلية للانسياق وراء الخطابات الهدامة أو المصالح الضيقة.
وفي السياق ذاته، شدّد المتحدث على أهمية ربط التكوين الجامعي بالأبعاد الأخلاقية والقيمية، معتبرا أنّ بناء الكفاءات العلمية وحده لا يكفي إذا لم يكن مصحوبا بتكوين إنساني وأخلاقي يعزّز روح المسؤولية لدى الطالب.
وقال بوثلجة إنّ الجامعة ليست مؤسّسة لإنتاج الشهادات، وإنما فضاء لصناعة النخب التي ستقود المجتمع مستقبلا، ولذلك فإنّ نجاحها الحقيقي يقاس بمدى قدرتها على تخريج إطارات تجمع بين الكفاءة العلمية والوعي الوطني والأخلاق المهنية.
ولفت الدكتور بوثلجة إلى أنّ التحديات الراهنة التي تواجهها الجزائر، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو الجيوسياسي، تتطلّب وجود نخب جامعية مؤمنة بمشروع الدولة الوطنية، وقادرة على توظيف معارفها العلمية في خدمة التنمية والدفاع عن المصالح العليا للبلاد، مؤكّدا أنّ بناء الأوطان لا يتحقّق بالتكوين التقني وحده، بل يحتاج أيضا إلى ترسيخ ثقافة الانتماء وروح التضحية والعمل الجماعي.
وأشار إلى أنّ إدراج مادتي “تاريخ الجزائر” و«الوطنية والمواطنة” في مختلف المدارس العليا والتخصّصات، يمكن أن يشكّل خطوة أولى نحو مراجعة شاملة للمنظومة الجامعية، بما يسمح بإعادة التوازن بين التكوين العلمي وبناء الشخصية الوطنية للطالب، خاصة في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم وما تفرضه من تحديات على مستوى الهوية والثقافة والسّيادة الفكرية.




