طالـب الإبراهيمـي.. بلهـوان وآيت شعـلال.. قامـات طلابيـة صنعت الأمجاد
«الطالب الجزائري لم يكن يوما مجرد طالب علم داخل قاعات الدراسة، بل كان صوت وطن، وضمير أمة، ومشعل ثورة حمل الفكر والسلاح معا دفاعا عن حرية الجزائر..»، بهذه العبارات الحماسية افتتحت الدكتورة لامية ثابت، أستاذة التاريخ المعاصر بجامعة الجزائر 01 «أبو القاسم سعد الله»، مداخلتها التي أعادت إلى الواجهة صفحات مشرقة من نضال الحركة الطلابية الجزائرية.
احتضن مركز النشاطات الثقافية «عبان رمضان» بالجزائر العاصمة، أول أمس السبت، في أجواء استحضرت رمزية عيد الطالب المصادف لـ19 ماي من كل سنة، نشاطا ثقافيا نظمته مؤسسة «فنون وثقافة» لولاية الجزائر، بالتنسيق مع المكتب الولائي لولاية الجزائر لجمعية «عهد الأجيال من أجل التراث والتنمية»، حيث شهدت التظاهرة تنظيم ندوة تاريخية حملت عنوان: «محطات من نضال الحركة الطلابية الجزائرية ومساهمتها في الكفاح الثوري (1919 ـ 1962)».
وخلال هذه الندوة، استعرضت الدكتورة لامية ثابت المسار التاريخي للحركة الطلابية الجزائرية، موضحة أن الطالب الجزائري تحوّل خلال الحقبة الاستعمارية من مجرد متلق للمعرفة إلى مناضل سياسي وثوري، ساهم في نشر الوعي الوطني وربط النضال الفكري بالمقاومة السياسية والمسلحة.
كما أبرزت أن النخبة الطلابية لعبت دورا محوريا في بلورة الخطاب الوطني وفضح السياسات الاستعمارية الفرنسية داخل الجزائر وخارجها، خاصة في الجامعات الفرنسية والعربية.
وأشارت المتدخلة إلى أن تشكل الوعي الوطني لدى الطلبة الجزائريين ارتبط بجملة من العوامل، من بينها السياسة الاستعمارية القائمة على التمييز والإقصاء، ومحاولات طمس الهوية العربية الإسلامية، إلى جانب تأثير الحركة الإصلاحية بقيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وانتشار الأفكار التحررية بعد الحرب العالمية الثانية، فضلا عن احتكاك الطلبة الجزائريين بالحركات التحررية العربية والعالمية.
كما تطرقت المحاضرة إلى بدايات التنظيم الطلابي الجزائري، مبرزة أن سنة 1918 شهدت ظهور أولى التنظيمات النقابية الطلابية من خلال «الجمعية الودادية للتلاميذ المسلمين في الشمال الإفريقي» برئاسة بلقاسم بن حبيلس، قبل أن تتعزز هذه المسيرة بتأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين سنة 1955، الذي مثل ـ بحسبها ـ محطة مفصلية في تاريخ النضال الطلابي الوطني.
وأكدت الدكتورة لامية ثابت أن الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين لعب دورا بارزا في توحيد الطلبة داخل الوطن وخارجه، ودعم الثورة التحريرية سياسيا وإعلاميا، ومواجهة الدعاية الاستعمارية الفرنسية، وربط مصير المثقف الجزائري بقضية شعبه المكافح، كما ذكرت بالأسماء الطلابية التي صنعت مجد الاتحاد، على غرار طالب الإبراهيمي، مولود بلهوان ومسعود آيت شعلال.
وتوقفت الندوة مطولا عند إضراب 19 ماي 1956، الذي وصفته المتدخلة بـ»المنعطف التاريخي» في مسار الحركة الطلابية الجزائرية، حين دعا الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الطلبة والتلاميذ إلى مقاطعة الدراسة والالتحاق بصفوف الثورة التحريرية، وقد جاء هذا الإضراب ـ بحسبها ـ ليؤكد انخراط الطلبة الكامل في الكفاح الوطني، وليمنح الثورة بعدا سياسيا وشعبيا واسعا.
وأبرزت الأستاذة الجامعية أن الإضراب حقق صدى كبيرا داخل الجزائر وخارجها، حيث التحق عدد معتبر من الطلبة بصفوف جيش التحرير الوطني، وساهموا في مجالات الإعلام والدبلوماسية والتمريض والترجمة والتنظيم الإداري، الأمر الذي دفع الاستعمار الفرنسي إلى اعتبار الاتحاد خطرا حقيقيا، قبل أن يصدر قرار حله سنة 1958.
كما شددت الدكتورة لامية ثابت على أن الطلبة الجزائريين في المهجر لعبوا دورا محوريا في تدويل القضية الجزائرية، خاصة داخل الجامعات الفرنسية والمصرية، من خلال المشاركة في المظاهرات المناهضة للاستعمار، وكسب تعاطف الحركات الطلابية العالمية، وفضح الانتهاكات الفرنسية أمام الرأي العام الدولي.
وفي السياق ذاته، قدّمت رئيسة المكتب الولائي لولاية الجزائر لجمعية «عهد الأجيال من أجل التراث والتنمية»، نبيلة بن يوسف، مداخلة مقتضبة استعرضت فيها ملامح تشكل الحركة الطلابية الجزائرية خلال فترة الاستعمار الفرنسي، داعية الأجيال الصاعدة إلى الاقتداء بأسلافهم الذين ضحوا بمقاعد الدراسة من أجل استرجاع السيادة الوطنية وصناعة استقلال الجزائر.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن الحركة الطلابية الجزائرية لم تكن مجرد امتداد للنشاط السياسي، بل شكلت مدرسة وطنية وثورية ساهمت في صناعة نخبة مؤمنة بقضايا الوطن، وجعلت من الجامعة الجزائرية فضاء للنضال والوعي والتحرر.






