الجزائــــر المنتصـــرة حريصــة على توفــير المنــاخ المناسـب للكفـاءات لصناعــة المستقبــــل
جدد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بمناسبة إحياء الذكرى السبعين ليوم الطالب، التأكيد على المكانة التي بات يحتلها قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في مسار بناء الجزائر الجديدة، من خلال الاستثمار في الجامعة، وتوسيع هياكلها، وربط منتوجها العلمي بالاقتصاد الوطني، بما يجعل المعرفة جزءا من التحول التنموي الذي تعيشه البلاد خلال السنوات الأخيرة، وليس مجرد فضاء للتكوين الأكاديمي المنفصل عن حاجات المجتمع والسوق.
وحملت رسالة رئيس الجمهورية دلالة واضحة في هذا السياق، إذ ركزت على تثمين دور الطلبة والأساتذة والباحثين والمؤطرين، وعلى ما شهدته الجامعة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة من توسع في المدارس العليا المتخصصة، والأقطاب الجامعية المتكاملة، وبرامج دعم البحث العلمي والابتكار.
كما أبرزت الرسالة حرص الدولة على توفير المناخ المناسب للكفاءات والخبرات، بما يسمح بتحويل الجامعة إلى شريك فعلي في مواكبة التكنولوجيا والمعرفة، وإلى رافد أساسي لاقتصاد منتج وعصري.
وفي هذا المسار، لا تبدو الجامعة معزولة عن التحولات الجارية في قطاعات أخرى، بل تتقاطع معها في الرؤية والأهداف، فالتوجه نحو اقتصاد أكثر تنوعا يحتاج إلى كفاءات مؤهلة، وبحث علمي قابل للتطبيق، وشباب قادر على الاندماج في مشاريع صناعية وفلاحية وطاقوية وسياحية.. كذلك، فإن الحديث عن التعليم العالي في الجزائر اليوم يرتبط مباشرة بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، حيث لم يعد المطلوب تكوين حامل شهادة، بل إعداد مورد بشري قادر على المساهمة في الإنتاج، والتسيير، والابتكار، ومرافقة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
المعرفة في خدمة التحول الاقتصادي
في سياق متصل، جاءت المؤشرات المسجلة في قطاع الطاقة مثلا لتقدم صورة عملية عن هذا التوجه، لاسيما مع الشروع في وضع حيز الخدمة أولى محطات برنامج إنتاج 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة إلى غاية 2035، من خلال تدشين محطة كهروضوئية بقدرة 200 ميغاواط بولاية المغير. هذا المشروع يندرج ضمن رؤية أوسع لتنويع مصادر الطاقة الكهربائية، وتعزيز الأمن الطاقوي، والاعتماد التدريجي على الطاقات النظيفة، وهي مجالات تحتاج بطبيعتها إلى هندسة وخبرة وتكوين مستمر، بما يعيد الجامعة ومراكز البحث إلى قلب المعادلة التنموية.
ويبرز اهتمام الجزائر بتطوير التعاون الإقليمي والدولي في مجالات الطاقة، سواء عبر الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، أو من خلال الانفتاح على شراكات صناعية قادرة على التوجه نحو الأسواق الإفريقية. وفي هذا الإطار، يندرج بحث إمكانية إنشاء مشاريع مشتركة لإنجاز محطات إنتاج الكهرباء في عدد من الدول الإفريقية، بما يعكس انتقال الجزائر من منطق تلبية الطلب الداخلي فقط، إلى منطق التموقع كشريك في مشاريع طاقوية إقليمية، مستفيدة من خبرتها وموقعها وقدراتها البشرية.
وتكشف الأرقام المتعلقة بارتفاع واردات دول الجوار الإقليمي من الغاز الجزائري بنحو 8 بالمائة خلال الربع الأول من السنة الجارية عن استمرار الدور الجزائري في تلبية جزء من احتياجات الدول الشقيقة والصديقة في المنطقة في صورة تونس إيطاليا وإسبانيا، خاصة في ظل اعتماد هذه الدول بشكل كبير على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء ودعم النمو الصناعي. وبالنسبة للجزائر، فإن هذه المعطيات لا ترتبط بالصادرات الطاقوية وحدها، بل تعكس أهمية بناء قطاع مستقر، قادر على خدمة السوق الوطنية وتعزيز الحضور الاقتصادي في المحيط الإقليمي. وبالإضافة إلى الطاقة، يقدم القطاع الفلاحي بدوره ملامح تحول واضح، تجسد في الطبعة الرابعة والعشرين للمعرض الدولي للفلاحة وتربية المواشي والصناعات التحويلية، بمشاركة 850 عارضا من الجزائر والخارج يمثلون 39 دولة. وقد حمل المعرض رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن الأمن الغذائي لم يعد يطرح بمنطق الإنتاج التقليدي فقط، بل بمنطق التخطيط بعيد المدى، والتكنولوجيا، والرقمنة، وتثمين الموارد، وترشيد استعمال المياه، وتطوير الصناعات التحويلية.
وفي هذا الإطار، يبرز الرهان على الزراعة الذكية، والطائرات المسيرة، وحساسات التربة، والذكاء الاصطناعي، باعتبارها أدوات جديدة لمرافقة الفلاحين، وتحسين الإنتاج، وتقليص الهدر، ورفع جودة المنتوج. وهذه التحولات تمنح الجامعة والمؤسسات الناشئة دورا مضاعفا، لأنها تجعل البحث العلمي والتكوين التقني جزءا من الأمن الغذائي، وتفتح المجال أمام الشباب حاملي المشاريع للاندماج في اقتصاد فلاحي حديث.
أما في قطاع السياحة، فإن إطلاق الطبعة الخامسة والعشرين للمعرض الدولي للسياحة والأسفار، بمشاركة عارضين من 41 دولة وأكثر من 450 عارضا، وحضور 50 مؤسسة ناشئة متخصصة في الترويج الرقمي للمنتجات السياحية، يعكس بدوره اتجاها نحو إدخال الرقمنة في تسويق الوجهة الجزائرية، وربط السياحة بالتنمية المستدامة. وهنا أيضا يظهر أثر التكوين الجامعي والابتكار، لأن بناء منتوج سياحي قابل للمنافسة يحتاج إلى كفاءات في الاتصال، والتسيير، والتسويق الرقمي، والخدمات.
ومن هذه الأرقام والوقائع تتشكل بشكل مستمر ملامح آفاق واعدة أمام الجزائر على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، انطلاقا من رؤية تجعل التعليم العالي والبحث العلمي قاعدة للتحول، وتربط الجامعة بالطاقة والفلاحة والسياحة والصناعة والخدمات. والرسالة التي حملها يوم الطالب، في ذكراه السبعين، لا تقف عند الاحتفاء الرمزي بالطلبة فقط، بل تضعهم في قلب مشروع وطني أوسع، عنوانه بناء اقتصاد أكثر إنتاجا، ومجتمع أكثر قدرة على استثمار المعرفة، ودولة تراهن على شبابها وكفاءاتها في صناعة المستقبل.


